سورة الزمر · الآية ٤٠
﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: { قل } لهم يا أيها الرسول: { يقوم اعملوا على مكانتكم } أي: على حالتكم التي رضيتموها لأنفسكم، من عبادة من لا يستحق من العبادة شيئا ولا له من الأمر شيء. { إني عامل } على ما دعوتكم إليه، من إخلاص الدين لله تعالى وحده. { فسوف تعلمون } لمن العاقبة و { من يأتيه عذاب يخزيه } في الدنيا. { ويحل عليه } في الأخرى { عذاب مقيم } لا يحول عنه ولا يزول، وهذا تهديد عظيم لهم، وهم يعلمون أنهم المستحقون للعذاب المقيم، ولكن الظلم والعناد حال بينهم وبين الإيمان.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الزمر ٣٩–٤٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يخبر تعالى أنه أوحى إلى نوح لما استعجل قومه نقمة الله بهم وعذابه لهم، فدعا عليهم نوح دعوته التي قال الله تعالى (1) مخبرا عنه أنه قال: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} [نوح: 26] ، {فدعا ربه أني مغلوب فانتصر} [القمر: 10] ، فعند ذلك أوحى الله تعالى إليه: {أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} فلا تحزن عليهم ولا يهمنك أمرهم. {واصنع الفلك} يعني: السفينة {بأعيننا} أي: بمرأى منا، {ووحينا} أي: وتعليمنا لك ماذا تصنعه، {ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون} . فقال بعض السلف: أمره الله تعالى أن يغرز (2) الخشب ويقطعه وييبسه، فكان ذلك في مائة سنة، ونجرها في مائة سنة أخرى، وقيل: في أربعين سنة، فالله (3) أعلم. وذكر محمد بن إسحاق عن التوراة: أن الله أمره أن يصنعها من خشب الساج، وأن يجعل طولها ثمانين ذراعا وعرضها خمسين ذراعا. وأن يطلي باطنها وظاهرها بالقار، وأن يجعل لها جؤجؤا أزور يشق الماء. وقال قتادة: كان طولها ثلاثمائة ذراع، في عرض خمسين. وعن الحسن: طولها ستمائة ذراع وعرضها ثلاثمائة ذراع. وعنه مع ابن عباس: طولها ألف ومائتا ذراع، في عرض ستمائة. وقيل: طولها ألفا ذراع، وعرضها مائة ذراع، فالله أعلم. قالوا كلهم: وكان ارتفاعها في السماء ثلاثين ذراعا، ثلاث طبقات، كل طبقة عشرة أذرع، فالسفلى للدواب والوحوش: والوسطى للإنس: والعليا للطيور. وكان بابها في عرضها، ولها غطاء من فوقها مطبق عليها. وقد ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير أثرا غريبا، من حديث علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن عبد الله بن عباس؛ أنه قال: قال الحواريون لعيسى ابن مريم: لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة فحدثنا عنها. قال: فانطلق بهم حتى أتى (4) إلى كثيب من تراب، فأخذ كفا من ذلك التراب بكفه، قال (5) أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا كعب (6) حام بن نوح. قال: وضرب الكثيب بعصاه، قال: قم بإذن الله فإذا هو قائم ينفض …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل} [هود: 39] يقول تعالى ذكره: ويصنع نوح السفينة، وكلما مر عليه جماعة من كبراء قومه سخروا منه، يقول: هزئوا من نوح، ويقولون له: أتحولت نجارا بعد النبوة، وتعمل السفينة في البر فيقول لهم نوح: {إن تسخروا منا} [هود: 38] إن تهزءوا منا اليوم، فإنا نهزأ منكم في الآخرة كما تهزءون منا في الدنيا. {فسوف تعلمون} [الأنعام: 135] إذا عاينتم عذاب الله، من الذي كان إلى نفسه مسيئا منا، وكانت صنعة نوح السفينة كما: حدثني المثنى، وصالح بن مسمار، قالا: PageEndV12P394 ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا موسى بن يعقوب، قال: ثني فائد مولى عبيد الله بن علي بن أبي رافع: أن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة، أخبره أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «لو رحم الله أحدا من قوم نوح لرحم أم الصبي» . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كان نوح مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى الله حتى كان آخر زمانه غرس شجرة، فعظمت وذهبت كل مذهب، ثم قطعها، ثم جعل يعمل سفينة، ويمرون فيسألونه، فيقول: أعملها سفينة، فيسخرون منه، ويقولون: تعمل سفينة في البر فكيف تجري؟ فيقول: سوف تعلمون. فلما فرغ منها وفار التنور وكثر الماء في السكك خشيت أم صبي عليه، وكانت تحبه حبا شديدا، فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلثه؛ فلما بلغها الماء خرجت حتى بلغت ثلثي الجبل؛ فلما بلغها الماء خرجت حتى استوت على الجبل؛ فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بين يديها حتى ذهب بها الماء، فلو رحم الله منهم أحدا لرحم أم الصبي " حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: «ذكر لنا أن طول السفينة ثلاث مائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعا، وطولها في السماء ثلاثون ذراعا، وبابها في عرضها» حدثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا مبارك، عن الحسن، قال: «كان طول سفينة نوح ألف ذراع، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
والتوكل: تفويض أمور المفوض إلى من يكفيه إياه، وتقدم في قوله: فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين في سورة آل عمران [159] . وجملة عليه يتوكل المتوكلون يجوز أن تكون مما أمر بأن يقوله تذكرا من النبيء صلى الله عليه وسلم وتعليما للمسلمين فتكون الجملة تذييلا للتي قبلها لأنها أعم منها باعتبار القائلين لأن حسبي الله يؤول إلى معنى: توكلت على الله، أي حسبي أنا وحسب كل متوكل، أي كل مؤمن يعرف الله حق معرفته ويعتمد على كفايته دون غيره، فتعريف المتوكلون للعموم العرفي، أي المتوكلون الحقيقيون إذ لا عبرة بغيرهم. ويجوز أن تكون من كلام الله تعالى خاطب به رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يأمره بأن يقوله فتكون الجملة تعليلا للأمر بقول: حسبي الله، أي اجعل الله حسبك، لأن أهل التوكل يتوكلون على الله دون غيره وهم الرسل والصالحون وإذ قد كنت من رفيقهم فكن مثلهم في ذلك على نحو قوله تعالى: أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده [الأنعام: 90] . وتقديم المجرور على يتوكل لإفادة الاختصاص لأن أهل التوكل الحقيقيين لا يتوكلون إلا على الله تعالى، وذلك تعريض بالمشركين إذ اعتمدوا في أمورهم على أصنامهم. [39- 40] قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون (39) من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (40) لما أبلغهم الله من الموعظة أقصى مبلغ، ونصب لهم من الحجج أسطع حجة، وثبت رسوله صلى الله عليه وسلم أرسخ تثبيت، لا جرم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يوادعهم موادعة مستقرب النصر، ويواعدهم ما أعد لهم من خسر. وعدم عطف جملة قل هذه على جملة قل حسبي الله [الزمر: 38] لدفع توهم أن يكون أمره قل حسبي الله لقصد إبلاغه إلى المشركين نظير ترك العطف في البيت المشهور في علم المعاني:
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/١٩) ↗