البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الزمر · الآية ٢٩

﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى أنه ضرب في القرآن من جميع الأمثال، أمثال أهل الخير وأمثال أهل الشر، وأمثال التوحيد والشرك، وكل مثل يقرب حقائق الأشياء، والحكمة في ذلك { لعلهم يتذكرون } عندما نوضح لهم الحق فيعلمون ويعملون. { قرآنا عربيا غير ذي عوج } أي: جعلناه قرآنا عربيا، واضح الألفاظ، سهل المعاني، خصوصا على العرب. { غير ذي عوج } أي: ليس فيه خلل ولا نقص بوجه من الوجوه، لا في ألفاظه ولا في معانيه، وهذا يستلزم كمال اعتداله واستقامته كما قال تعالى: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا * قيما [الكهف: 1-2]. { لعلهم يتقون } الله تعالى، حيث سهلنا عليهم طرق التقوى العلمية والعملية، بهذا القرآن العربي المستقيم، الذي ضرب الله فيه من كل مثل. ثم ضرب مثلا للشرك والتوحيد فقال: { ضرب الله مثلا رجلا } أي: عبدا { فيه شركآء متشاكسون } فهم كثيرون، وليسوا متفقين على أمر من الأمور وحالة من الحالات حتى تمكن راحته، بل هم متشاكسون متنازعون فيه، كل له مطلب يريد تنفيذه ويريد الآخر غيره، فما تظن حال هذا الرجل مع هؤلاء الشركاء المتشاكسين؟ { ورجلا سلما لرجل } أي: خالصا له، قد عرف مقصود سيده، وحصلت له الراحة التامة. { هل يستويان } أي: هذان الرجلان { مثلا }؟ لا يستويان. كذلك المشرك، فيه شركاء متشاكسون، يدعو هذا، ثم يدعو هذا، فتراه لا يستقر له قرار، ولا يطمئن قلبه في موضع، والموحد مخلص لربه، قد خلصه الله من الشركة لغيره، فهو في أتم راحة وأكمل طمأنينة، ف { هل يستويان مثلا الحمد لله } على تبيين الحق من الباطل، وإرشاد الجهال. { بل أكثرهم لا يعلمون }. { إنك ميت وإنهم ميتون } أي: كلكم لا بد أن يموت وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون [الأنبياء: 34]. { ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون } فيما تنازعتم فيه، فيفصل بينكم بحكمه العادل، ويجازي كلا ما عمله أحصاه الله ونسوه [المجادلة: 6].

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الزمر ٢٧–٣١) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} أي: بينا للناس فيه بضرب الأمثال، {لعلهم يتذكرون} ، فإن المثل يقرب المعنى إلى الأذهان، كما قال تعالى: {ضرب لكم مثلا من أنفسكم} [الروم:28] أي: تعلمونه من أنفسكم، وقال: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} [العنكبوت:43] . وقوله: {قرءانا عربيا غير ذي عوج} أي: هو قرآن بلسان عربي مبين، لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا لبس، بل هو بيان ووضوح وبرهان، وإنما جعله الله [عز وجل] (1) كذلك، وأنزله بذلك {لعلهم يتقون} أي: يحذرون ما فيه من الوعيد، ويعملون بما (2) فيه من الوعد (3) . ثم قال: {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون} أي: يتنازعون في ذلك العبد المشترك بينهم، {ورجلا سلما لرجل} أي: خالصا لرجل، لا يملكه أحد غيره، {هل يستويان مثلا} أي: لا يستوي هذا وهذا. كذلك لا يستوي المشرك الذي يعبد آلهة مع الله، والمؤمن المخلص الذي لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له. فأين هذا من هذا؟ قال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: هذه الآية ضربت مثلا للمشرك والمخلص، ولما كان هذا المثل ظاهرا بينا جليا، قال: {الحمد لله} أي: على إقامة الحجة عليهم، {بل أكثرهم لا يعلمون} أي: فلهذا يشركون بالله. وقوله: {إنك ميت وإنهم ميتون} هذه الآية من الآيات التي استشهد بها الصديق [رضي الله عنه] (4) عند موت الرسول (5) صلى الله عليه وسلم، حتى تحقق الناس موته، مع قوله: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين} [آل عمران:144] . ومعنى هذه الآية: ستنقلون من هذه الدار لا محالة وستجتمعون عند الله في الدار الآخرة، وتختصمون فيما أنتم فيه في الدنيا من التوحيد والشرك بين يدي الله عز وجل، فيفصل بينكم، ويفتح بالحق وهو الفتاح العليم، فينجي المؤمنين المخلصين الموحدين، ويعذب الكافرين الجاحدين المشركين …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

الواحد، يقول تعالى ذكره: ضرب الله مثلا لهذا الكافر رجلا فيه شركاء يقول: هو بين جماعة مالكين متشاكسين، يعني مختلفين متنازعين، سيئة أخلاقهم، من قولهم: رجل شكس: إذا كان سيئ الخلق، وكل واحد منهم يستخدمه بقدر نصيبه وملكه فيه، ورجلا سلما لرجل، يقول: ورجلا خلوصا لرجل يعني المؤمن الموحد الذي

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/١٩٦) ↗

التحرير والتنوير

وقوله: لعلهم يتقون مثل قوله: لعلهم يتذكرون، وذكر هنا يتقون لأنهم إذا تذكروا يسرت عليهم التقوى، ولأن التذكر أنسب بضرب الأمثال لأن في الأمثال عبرة بأحوال الممثل به فهي مفضية إلى التذكر، والاتقاء أنسب بانتفاء العوج لأنه إذا استقامت معانيه واتضحت كان العمل بما يدعو إليه أيسر وذلك هو التقوى. [29] ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (29) استئناف وهو من قبيل التعرض إلى المقصود بعد المقدمة فإن قوله: ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل [الروم: 58] توطئة لهذا المثل المضروب لحال أهل الشرك وحال أهل التوحيد، وفي هذا الانتقال تخلص أتبع تذكيرهم بما ضرب لهم في القرآن من كل مثل على وجه إجمال العموم استقصاء في التذكير ومعاودة للإرشاد، وتخلصا من وصف القرآن بأن فيه من كل مثل، إلى تمثيل حال الذين كفروا بحال خاص. فهذا المثل متصل بقوله تعالى: أفمن شرح الله صدره للإسلام إلى قوله: أولئك في ضلال مبين [الزمر: 22] ، فهو مثل لحال من شرح الله صدرهم للإسلام وحال من قست قلوبهم. ومجيء فعل ضرب الله بصيغة الماضي مع أن ضرب هذا المثل ما حصل إلا في زمن نزول هذه الآية لتقريب زمن الحال من زمن الماضي لقصد التشويق إلى علم هذا المثل فيجعل كالإخبار عن أمر حصل لأن النفوس أرغب في علمه كقول المثوب: قد قامت الصلاة. وفيه التنبيه على أنه أمر محقق الوقوع كما تقدم عند قوله تعالى: وضرب الله مثلا قرية في سورة النحل [112] . أما صاحب «الكشاف» فجعل فعل ضرب مستعملا في معنى الأمر إذ فسره بقوله: اضرب لهم مثلا وقل لهم ما تقولون في رجل من المماليك قد اشترك فيه شركاء، إلى آخر كلامه، فكان ظاهر كلامه أن الخبر هنا مستعمل في الطلب، فقرره شارحوه الطيبي والقزويني والتفتازاني بما حاصل مجموعه: أنه أراد أن النبيء صلى الله عليه وسلم

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/٣٩٩) ↗