سورة الزمر · الآية ٢٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى أنه ضرب في القرآن من جميع الأمثال، أمثال أهل الخير وأمثال أهل الشر، وأمثال التوحيد والشرك، وكل مثل يقرب حقائق الأشياء، والحكمة في ذلك { لعلهم يتذكرون } عندما نوضح لهم الحق فيعلمون ويعملون. { قرآنا عربيا غير ذي عوج } أي: جعلناه قرآنا عربيا، واضح الألفاظ، سهل المعاني، خصوصا على العرب. { غير ذي عوج } أي: ليس فيه خلل ولا نقص بوجه من الوجوه، لا في ألفاظه ولا في معانيه، وهذا يستلزم كمال اعتداله واستقامته كما قال تعالى: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا * قيما [الكهف: 1-2]. { لعلهم يتقون } الله تعالى، حيث سهلنا عليهم طرق التقوى العلمية والعملية، بهذا القرآن العربي المستقيم، الذي ضرب الله فيه من كل مثل. ثم ضرب مثلا للشرك والتوحيد فقال: { ضرب الله مثلا رجلا } أي: عبدا { فيه شركآء متشاكسون } فهم كثيرون، وليسوا متفقين على أمر من الأمور وحالة من الحالات حتى تمكن راحته، بل هم متشاكسون متنازعون فيه، كل له مطلب يريد تنفيذه ويريد الآخر غيره، فما تظن حال هذا الرجل مع هؤلاء الشركاء المتشاكسين؟ { ورجلا سلما لرجل } أي: خالصا له، قد عرف مقصود سيده، وحصلت له الراحة التامة. { هل يستويان } أي: هذان الرجلان { مثلا }؟ لا يستويان. كذلك المشرك، فيه شركاء متشاكسون، يدعو هذا، ثم يدعو هذا، فتراه لا يستقر له قرار، ولا يطمئن قلبه في موضع، والموحد مخلص لربه، قد خلصه الله من الشركة لغيره، فهو في أتم راحة وأكمل طمأنينة، ف { هل يستويان مثلا الحمد لله } على تبيين الحق من الباطل، وإرشاد الجهال. { بل أكثرهم لا يعلمون }. { إنك ميت وإنهم ميتون } أي: كلكم لا بد أن يموت وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون [الأنبياء: 34]. { ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون } فيما تنازعتم فيه، فيفصل بينكم بحكمه العادل، ويجازي كلا ما عمله أحصاه الله ونسوه [المجادلة: 6].
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الزمر ٢٧–٣١) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} أي: بينا للناس فيه بضرب الأمثال، {لعلهم يتذكرون} ، فإن المثل يقرب المعنى إلى الأذهان، كما قال تعالى: {ضرب لكم مثلا من أنفسكم} [الروم:28] أي: تعلمونه من أنفسكم، وقال: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} [العنكبوت:43] . وقوله: {قرءانا عربيا غير ذي عوج} أي: هو قرآن بلسان عربي مبين، لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا لبس، بل هو بيان ووضوح وبرهان، وإنما جعله الله [عز وجل] (1) كذلك، وأنزله بذلك {لعلهم يتقون} أي: يحذرون ما فيه من الوعيد، ويعملون بما (2) فيه من الوعد (3) . ثم قال: {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون} أي: يتنازعون في ذلك العبد المشترك بينهم، {ورجلا سلما لرجل} أي: خالصا لرجل، لا يملكه أحد غيره، {هل يستويان مثلا} أي: لا يستوي هذا وهذا. كذلك لا يستوي المشرك الذي يعبد آلهة مع الله، والمؤمن المخلص الذي لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له. فأين هذا من هذا؟ قال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: هذه الآية ضربت مثلا للمشرك والمخلص، ولما كان هذا المثل ظاهرا بينا جليا، قال: {الحمد لله} أي: على إقامة الحجة عليهم، {بل أكثرهم لا يعلمون} أي: فلهذا يشركون بالله. وقوله: {إنك ميت وإنهم ميتون} هذه الآية من الآيات التي استشهد بها الصديق [رضي الله عنه] (4) عند موت الرسول (5) صلى الله عليه وسلم، حتى تحقق الناس موته، مع قوله: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين} [آل عمران:144] . ومعنى هذه الآية: ستنقلون من هذه الدار لا محالة وستجتمعون عند الله في الدار الآخرة، وتختصمون فيما أنتم فيه في الدنيا من التوحيد والشرك بين يدي الله عز وجل، فيفصل بينكم، ويفتح بالحق وهو الفتاح العليم، فينجي المؤمنين المخلصين الموحدين، ويعذب الكافرين الجاحدين …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ليتذكروا فينزجروا عما هم عليه مقيمون من الكفر بالله
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/١٩٥) ↗التحرير والتنوير
والخسف مثل قوم لوط، وقوم أتاهم من نبع الماء من الأرض مثل قوم نوح، وقوم عم عليهم البحر مثل قوم فرعون. وكان العذاب الذي أصاب كفار قريش لم يخطر لهم ببال، وهو قطع السيوف رقابهم وهم في عزة من قومهم وحرمة عند قبائل العرب ما كانوا يحسبون أيديا تقطع رقابهم كحال أبي جهل وهو في الغرغرة يوم بدر حين قال له ابن مسعود: أنت أبا جهل؟ فقال: «وهل أعمد من رجل قتله قومه» . واستعارة الإذاقة لإهانة الخزي تخييلية وهي من تشبيه المعقول بالمحسوس. وعطف عليه ولعذاب الآخرة أكبر للاحتراس، أي أن عذاب الآخرة هو الجزاء، وأما عذاب الدنيا فقد يصيب الله به بعض الظلمة زيادة خزي لهم. وقوله: لو كانوا يعلمون جملة معترضة في آخر الكلام. ومفعول يعلمون دل عليه الكلام المتقدم، أي لو كان هؤلاء يعلمون أن الله أذاق الآخرين الخزي في الدنيا بسبب تكذيبهم الرسل، وأن الله أعد لهم عذابا في الآخرة هو أشد. وضمير يعلمون عائد إلى ما عاد إليه ضمير قبلهم. وجواب لو محذوف دل عليه التعريض بالوعيد في قوله: كذب الذين من قبلهم الآية، تقديره: لو كانوا يعلمون أن ما حل بهم سببه تكذيبهم رسلهم كما كذب هؤلاء محمدا صلى الله عليه وسلم. ووصف عذاب الآخرة ب- أكبر بمعنى: أشد فهو أشد كيفية من عذاب الدنيا وأشد كمية لأنه أبدي. [27- 28] ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون (27) قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون (28) عطف على جملة الله نزل أحسن الحديث إلى قوله: فما له من هاد [الزمر: 23] ، تتمة للتنويه بالقرآن وإرشاده، وللتعريض بتسفيه أحلام الذين كذبوا به
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/٣٩٦) ↗