سورة الزمر · الآية ٢١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يذكر تعالى أولي الألباب، ما أنزله من السماء من الماء، وأنه سلكه ينابيع في الأرض، أي: أودعه فيها ينبوعا يستخرج بسهولة ويسر، { ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه } من بر وذرة، وشعير وأرز، وغير ذلك. { ثم يهيج } عند استكماله، أو عند حدوث آفة فيه { فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما } متكسرا { إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب } يذكرون بها عناية ربهم ورحمته بعباده، حيث يسر لهم هذا الماء، وخزنه بخزائن الأرض تبعا لمصالحهم. ويذكرون به كمال قدرته، وأنه يحيي الموتى، كما أحيا الأرض بعد موتها، ويذكرون به أن الفاعل لذلك هو المستحق للعبادة. اللهم اجعلنا من أولي الألباب، الذين نوهت بذكرهم، وهديتهم بما أعطيتهم من العقول، وأريتهم من أسرار كتابك وبديع آياتك ما لم يصل إليه غيرهم، إنك أنت الوهاب.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الزمر ٢١) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وهذا أيضا من الدلالة على قدرته وعظيم سلطانه، فإنه يرسل (1) الرياح، فتثير سحابا، فيمطر على الأرض الجرز التي (2) لا نبات فيها، وهي هامدة يابسة سوداء قحلة، {فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت} [الحج: 5] . وقوله: {فتصبح الأرض مخضرة} ، الفاء هاهنا للتعقيب، وتعقيب كل شيء بحسبه، كما قال: {خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما} [المؤمنون: 14] ، وقد ثبت في الصحيحين: "أن بين كل شيئين أربعين يوما" ومع هذا هو معقب (3) بالفاء، وهكذا هاهنا قال: {فتصبح الأرض مخضرة} أي: خضراء بعد يبسها ومحولها (4) . وقد ذكر عن بعض أهل (5) الحجاز: أنها تصبح عقب المطر خضراء، فالله أعلم. وقوله: {إن الله لطيف خبير} أي: عليم بما في أرجاء الأرض وأقطارها وأجزائها من الحب وإن صغر، لا يخفى عليه خافية، فيوصل إلى كل منه قسطه من الماء فينبته به، كما قال لقمان: {يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير} [لقمان: 16] ، وقال: {ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض} [النمل: 25] ، وقال تعالى: {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} [الأنعام: 59] ، وقال {وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة} الآية [يونس: 61] ؛ ولهذا قال أمية بن [أبي] (6) الصلت-أو: زيد بن عمرو بن نفيل-في قصيدته: وقولا له: من ينبت الحب في الثرى %~% فيصبح منه البقل يهتز رابيا? ويخرج منه حبه في رؤوسه %~% ففي ذاك آيات لمن كان واعيا (7) وقوله: {له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد} أي: ملكه جميع الأشياء، وهو غني عما سواه، وكل شيء فقير إليه، عبد لديه. وقوله: {ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض} أي: من حيوان، وجماد، وزروع، وثمار. كما قال: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه} [الجاثية: 13] أي: من …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
{ألم تر} [البقرة: 243] وإنما قيل ذلك كذلك لأن معنى الكلام الخبر، كأنه قيل: اعلم يا محمد أن الله ينزل من السماء ماء فتصبح الأرض؛ ونظير ذلك قول الشاعر: [البحر الطويل] ألم تسأل الربع القديم فينطق؟ %~% وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق؟ لأن معناه: قد سألته فنطق. {إن الله لطيف} [الحج: 63] باستخراج النبات من الأرض بذلك الماء وغير ذلك من ابتداع ما شاء أن يبتدعه. {خبير} [البقرة: 234] بما يحدث عن ذلك النبت من الحب وبه
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٦٢٣) ↗التحرير والتنوير
21] ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب (21) استئناف ابتدائي انتقل به إلى غرض التنويه بالقرآن وما احتوى عليه من هدى الإسلام، وهو الغرض الذي ابتدئت به السورة وانثنى الكلام منه إلى الاستطراد بقوله تعالى: فاعبد الله مخلصا له الدين [الزمر: 2] إلى هنا، فهذا تمهيد لقوله: أفمن شرح الله صدره للإسلام إلى قوله: ذلك هدى الله يهدي به من يشاء [الزمر: 22، 23] فمثلت حالة إنزال القرآن واهتداء المؤمنين به والوعد بنماء ذلك الاهتداء، بحالة إنزال المطر ونبات الزرع به واكتماله. وهذا التمثيل قابل لتجزئة أجزائه على أجزاء الحالة المشبه بها: فإنزال الماء من السماء تشبيه لإنزال القرآن لإحياء القلوب، وإسلاك الماء ينابيع في الأرض تشبيه لتبليغ القرآن للناس، وإخراج الزرع المختلف الألوان تشبيه لحال اختلاف الناس من طيب وغيره، ونافع وضار، وهياج الزرع تشبيه لتكاثر المؤمنين بين المشركين. وأما قوله تعالى: ثم يجعله حطاما فهو إدماج للتذكير بحالة الممات واستواء الناس فيها من نافع وضار. وفي تعقيب هذا بقوله: أفمن شرح الله صدره للإسلام إلى قوله: ومن يضلل الله فما له من هاد [الزمر: 22، 23] إشارة إلى العبرة من هذا التمثيل. وقريب من تمثيل هذه الآية ما في «الصحيحين» عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» . ويجوز أن يكون المعنى أصالة وإدماجا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗