سورة يس · الآية ٥٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
النفخة الأولى، هي نفخة الفزع والموت، وهذه نفخة البعث والنشور، فإذا نفخ في الصور، خرجوا من الأجداث والقبور، ينسلون إلى ربهم، أي: يسرعون للحضور بين يديه، لا يتمكنون من التأني والتأخر، وفي تلك الحال، يحزن المكذبون، ويظهرون الحسرة والندم، ويقولون: { يويلنا من بعثنا من مرقدنا } أي: من رقدتنا في القبور، لأنه ورد في بعض الأحاديث، أن لأهل القبور رقدة قبيل النفخ في الصور، فيجابون، فيقال [لهم:] { هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون } أي: هذا الذي وعدكم الله به، ووعدتكم به الرسل، فظهر صدقهم رأي عين. ولا تحسب أن ذكر الرحمن في هذا الموضع، لمجرد الخبر عن وعده، وإنما ذلك للإخبار بأنه في ذلك اليوم العظيم، سيرون من رحمته ما لا يخطر على الظنون، ولا حسب به الحاسبون، كقوله: الملك يومئذ الحق للرحمن [الفرقان: 26] وخشعت الأصوات للرحمن [طه: 108] ونحو ذلك، مما يذكر اسمه الرحمن في هذا. { إن كانت } البعثة من القبور { إلا صيحة واحدة } ينفخ فيها إسرافيل في الصور، فتحيا الأجساد، { فإذا هم جميع لدينا محضرون } الأولون والآخرون، والإنس والجن، ليحاسبوا على أعمالهم. { فاليوم لا تظلم نفس شيئا } لا ينقص من حسناتها، ولا يزاد في سيئاتها، { ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون } من خير أو شر، فمن وجد خيرا فليحمد الله على ذلك، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: يس ٥١–٥٤) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
السلف-: {هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} . وقال الحسن: إنما يجيبهم بذلك الملائكة. ولا منافاة إذ الجمع ممكن، والله أعلم. وقال عبد الرحمن بن زيد: الجميع من قول الكفار: {يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} . نقله ابن جرير، واختار الأول، وهو أصح، (1) وذلك كقوله تعالى في الصافات: {وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون} [الصافات:20، 21] ، وقال [الله] (2) تعالى: {ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون} [الروم:55، 56] . وقوله: {إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون} ، كقوله: {فإنما هي زجرة واحدة * فإذا هم بالساهرة} [النازعات:13، 14] . وقال تعالى: {وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب} [النحل: 77] ، (3) وقال: {يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا} [الإسراء: 52] . أي: إنما نأمرهم أمرا واحدا، فإذا الجميع محضرون، {فاليوم لا تظلم نفس شيئا} أي: من عملها، {ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون} يخبر تعالى عن أهل الجنة: أنهم يوم القيامة إذا ارتحلوا من العرصات فنزلوا في روضات الجنات: أنهم {في شغل [فاكهون} أي: في شغل] (1) عن غيرهم، بما هم فيه من النعيم المقيم، والفوز العظيم. قال الحسن البصري: وإسماعيل بن أبي خالد: {في شغل} عما فيه أهل النار من العذاب. وقال مجاهد: {في شغل فاكهون} أي: في نعيم معجبون، أي: به. وكذا قال قتادة. وقال ابن عباس: {فاكهون} أي فرحون. قال عبد الله بن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والأعمش، وسليمان التيمي، والأوزاعي في قوله: {إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون} قالوا: شغلهم افتضاض الأبكار.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٥٨٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
والصواب من القول فيه بشواهده فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع، ويعني بهذه النفخة، نفخة البعث
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٤٥٤) ↗التحرير والتنوير
التي أخذتهم فإن كانت الصيحة صيحة الواقعة فالأجداث هي ما يعلوهم من التراب في المدة التي بين الصيحة والنفخة. وقد ورد أن بينهما أربعين سنة إذ لا يبقى بعد تلك الصيحة أحد من البشر ليدفن من هلك منهم، وإن كانت الصيحة صيحة الفزع إلى القتل فالأجداث على حقيقتها مثل قليب بدر. ومعنى: إلى ربهم إلى حكم ربهم وحسابه، وهو متعلق ب ينسلون. [52] 52] قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون (52) استئناف بياني لأن وصف هذه الحال بعد حكاية إنكارهم البعث وإحالتهم إياه يثير سؤال من يسأل عن مقالهم حينما يرون حقية البعث. ويا ويلنا كلمة يقولها الواقع في مصيبة أو المتحسر. والويل: سوء الحال، وإنما قالوا ذلك لأنهم رأوا ما أعد لهم من العذاب عند ما بعثوا. وقد تقدم عند قوله تعالى: فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم في سورة البقرة [79] . وحكي قولهم بصيغة الماضي اتباعا لحكاية ما قبله بصيغة المضي لتحقيق الوقوع. وحرف النداء الداخل على ويلنا للتنبيه وتنزيل الويل منزلة من يسمع فينادى ليحضر، وقد تقدم عند قوله تعالى: قالت يا ويلتى في سورة هود [72] . ومن استفهام عن فاعل البعث مستعمل في التعجب والتحسر من حصول البعث. ولما كان البعث عندهم محالا كنوا عن التعجب من حصوله بالتعجب من فاعله لأن الأفعال الغريبة تتوجه العقول إلى معرفة فاعلها لأنهم لما بعثوا وأزجي بهم إلى العذاب علموا أنه بعث فعله من أراد تعذيبهم. والمرقد: مكان الرقاد. وحقيقة الرقاد: النوم. وأطلقوا الرقاد على الموت والاضطجاع في القبور تشبيها بحالة الراقد. ثم لم يلبثوا أن استحضرت نفوسهم ما كانوا ينذرون به في الدنيا فاستأنفوا عن
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/٣٧) ↗