سورة فاطر · الآية ٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { يأيها الناس إن وعد الله } بالبعث والجزاء على الأعمال، { حق } أي: لا شك فيه، ولا مرية، ولا تردد، قد دلت على ذلك الأدلة السمعية والبراهين العقلية، فإذا كان وعده حقا، فتهيؤوا له، وبادروا أوقاتكم الشريفة بالأعمال الصالحة، ولا يقطعكم عن ذلك قاطع، { فلا تغرنكم الحياة الدنيا } بلذاتها وشهواتها ومطالبها النفسية، فتلهيكم عما خلقتم له، { ولا يغرنكم بالله الغرور } الذي هو { الشيطان } الذي هو عدوكم في الحقيقة { فاتخذوه عدوا } أي: لتكن منكم عداوته على بال، ولا تهملوا محاربته كل وقت، فإنه يراكم وأنتم لا ترونه، وهو دائما لكم بالمرصاد. { إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } هذا غايته ومقصوده ممن تبعه، أن يهان غاية الإهانة بالعذاب الشديد. ثم ذكر أن الناس انقسموا بحسب طاعة الشيطان وعدمها إلى قسمين، وذكر جزاء كل منهما، فقال: { الذين كفروا } أي: جحدوا ما جاءت به الرسل، ودلت عليه الكتب { لهم عذاب شديد } في نار جهنم، شديد في ذاته ووصفه، وأنهم خالدون فيها أبدا. { والذين آمنوا } بقلوبهم، بما دعا الله إلى الإيمان به { وعملوا } بمقتضى ذلك الإيمان، بجوارحهم، الأعمال { الصالحات لهم مغفرة } لذنوبهم، يزول بها عنهم الشر والمكروه { وأجر كبير } يحصل به المطلوب.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: فاطر ٥–٧) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ورسله {وعملوا الصالحات لهم مغفرة} أي: لما كان منهم من ذنب، {وأجر كبير} على ما عملوه من خير. ثم قال: {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا} يعني: كالكفار والفجار، يعملون أعمالا سيئة، وهم في ذلك يعتقدون ويحسون (1) أنهم يحسنون صنعا، أي: أفمن كان هكذا قد أضله الله، ألك فيه حيلة؟ لا حيلة لك فيه، {فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء} أي: بقدره كان ذلك، {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} أي: لا تأسف على ذلك فإن الله حكيم في قدره، إنما يضل من يضل (2) ويهدي من يهدي (3) ، لما له في ذلك من الحجة البالغة، والعلم التام؛ ولهذا قال: {إن الله عليم بما يصنعون} . وقال (4) ابن أبي حاتم عند هذه الآية: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي عمرو السيباني -أو: ربيعة-عن عبد الله بن الديلمي قال: أتيت عبد الله بن عمرو، وهو في حائط بالطائف يقال له: الوهط، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من نوره يومئذ فقد اهتدى، ومن أخطأه منه ضل، فلذلك أقول: جف القلم على ما علم الله عز وجل". (5) ثم قال: حدثنا يحيى بن عبدك القزويني، حدثنا حسان بن حسان البصري، حدثنا إبراهيم بن بشر (6) حدثنا يحيى بن معين (7) حدثنا إبراهيم القرشي، عن سعد بن شرحبيل (8) عن زيد بن أبي أوفى قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "الحمد لله الذي يهدي من (9) الضلالة، ويلبس الضلالة على من أحب". (10) وهذا أيضا حديث غريب جدا.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٥٣٥) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٣٣٢) ↗التحرير والتنوير
وبهذا العموم الذي يقتضيه الحصر صارت الجملة أيضا في معنى التذييل لما قبلها كله. ومقتضى وقوع فعل يدعوا في حيز القصر أن مفعوله وهو قوله: حزبه هو المقصود من القصر، أي أنه يدعو حزبه ولا يدعو غير حزبه، والشيطان يدعو الناس كلهم سواء في ذلك حزبه ومن لم يركن إلى دعوته إلا أن أثر دعوته لا يظهر إلا في الذين يركنون له فيصيرون حزبه قال تعالى له: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين [الحجر: 42] . وحكى الله عن الشيطان بقوله: لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين [الحجر: 39، 40] فتعين أن في الكلام إيجاز حذف. والتقدير: إنما يدعو حزبه دعوة بالغة مقصده. والقرينة هي ما تقدم من التحذير ولو كان لا يدعو إلا حزبه لما كان لتحذير غيرهم فائدة. واللام في قوله: ليكونوا من أصحاب السعير يجوز أن تكون لام العلة فإن الشيطان قد يكون ساعيا لغاية إيقاع الآدميين في العذاب نكاية بهم، وهي علة للدعوة مخفية في خاطره الشيطاني وإن كان لا يجهر بها لأن إخفاءها من جملة كيده وتزيينه، ويجوز أن تكون اللام لام العاقبة والصيرورة مثل فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا [القصص: 8] قال ابن عطية: لأنه لم يدعهم إلى السعير إنما اتفق أن صار أمرهم عن دعائه إلى ذلك. والسعير: النار الشديدة، وغلب في لسان الشرع على جنهم. [7] 7] الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير (7) استئناف ابتدائي يفيد مفاد الفذلكة والاستنتاج مما تقدم. وهذا الاستئناف يومىء إلى أن الذين كفروا هم حزب الشيطان لأنه لما ذكر أن حزبه من أصحاب السعير وحكم هنا بأن الذين كفروا لهم عذاب شديد علم أن الذين كفروا من أصحاب السعير إذ هو العذاب الشديد فعلم أنهم حزب الشيطان بطريقة قياس مطوي، فالذين كفروا هم حزب الشيطان لعكوفهم على متابعته وإن لم يعلنوا ذلك لاقتناعه منهم بملازمة ما يمليه عليهم.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/٢٦٢) ↗