سورة فاطر · الآية ٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { يأيها الناس إن وعد الله } بالبعث والجزاء على الأعمال، { حق } أي: لا شك فيه، ولا مرية، ولا تردد، قد دلت على ذلك الأدلة السمعية والبراهين العقلية، فإذا كان وعده حقا، فتهيؤوا له، وبادروا أوقاتكم الشريفة بالأعمال الصالحة، ولا يقطعكم عن ذلك قاطع، { فلا تغرنكم الحياة الدنيا } بلذاتها وشهواتها ومطالبها النفسية، فتلهيكم عما خلقتم له، { ولا يغرنكم بالله الغرور } الذي هو { الشيطان } الذي هو عدوكم في الحقيقة { فاتخذوه عدوا } أي: لتكن منكم عداوته على بال، ولا تهملوا محاربته كل وقت، فإنه يراكم وأنتم لا ترونه، وهو دائما لكم بالمرصاد. { إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } هذا غايته ومقصوده ممن تبعه، أن يهان غاية الإهانة بالعذاب الشديد. ثم ذكر أن الناس انقسموا بحسب طاعة الشيطان وعدمها إلى قسمين، وذكر جزاء كل منهما، فقال: { الذين كفروا } أي: جحدوا ما جاءت به الرسل، ودلت عليه الكتب { لهم عذاب شديد } في نار جهنم، شديد في ذاته ووصفه، وأنهم خالدون فيها أبدا. { والذين آمنوا } بقلوبهم، بما دعا الله إلى الإيمان به { وعملوا } بمقتضى ذلك الإيمان، بجوارحهم، الأعمال { الصالحات لهم مغفرة } لذنوبهم، يزول بها عنهم الشر والمكروه { وأجر كبير } يحصل به المطلوب.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: فاطر ٥–٧) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… ابن عباس. أي: لا يفتننكم الشيطان ويصرفنكم عن اتباع رسل الله وتصديق كلماته فإنه غرار كذاب أفاك. وهذه الآية كالآية التي في آخر لقمان: {فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور} [لقمان: 33] . قال مالك، عن زيد بن أسلم: هو الشيطان. كما قال: يقول المؤمنون للمنافقين يوم القيامة حين يضرب {بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب * ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور} [الحديد: 13، 14] . ثم بين تعالى عداوة إبليس لابن آدم فقال: {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا} (5) أي: هو مبارز لكم بالعداوة، فعادوه أنتم أشد العداوة، وخالفوه وكذبوه فيما يغركم به، {إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} أي: إنما يقصد أن يضلكم حتى تدخلوا معه إلى عذاب السعير، فهذا هو العدو المبين. فنسأل الله القوي العزيز أن يجعلنا أعداء الشيطان (6) ، وأن يرزقنا اتباع كتابه، والاقتفاء بطريق رسوله، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير. وهذه كقوله: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا} [الكهف: 50] . [وقال بعض العلماء: وتحت هذا الخطاب نوع لطيف من العتاب كأنه يقول: إنما عاديت إبليس من أجل أبيكم ومن أجلكم، فكيف يحسن بكم أن توالوه؟ بل اللائق بكم أن تعادوه وتخالفوه ولا تطاوعوه] . (7) لما ذكر [الله] (8) تعالى أن أتباع إبليس مصيرهم إلى [عذاب] (9) السعير، ذكر بعد ذلك أن الذين كفروا لهم عذاب شديد (10) ؛ لأنهم أطاعوا الشيطان وعصوا الرحمن، وأن الذين آمنوا بالله
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٥٣٤) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
بطاعة الله واستغشاشكم إياه، حذركم من عدوكم الذي تخافون غائلته على أنفسكم، فلا تطيعوه ولا تتبعوا خطواته، فإنه إنما يدعو حزبه، يعني شيعته، ومن أطاعه إلى طاعته والقبول منه، والكفر بالله {ليكونوا من أصحاب السعير} [فاطر: 6] يقول: ليكونوا من المخلدين في نار جهنم التي تتوقد على أهلها وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٣٣١) ↗التحرير والتنوير
6] إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير (6) لما كان في قوله: ولا يغرنكم بالله الغرور [فاطر: 5] إبهام ما في المراد بالغرور عقب ذلك ببيانه بأن الغرور هو الشيطان ليتقرر المسند إليه بالبيان بعد الإبهام. فجملة إن الشيطان لكم عدو تتنزل من جملة ولا يغرنكم بالله الغرور منزلة البيان من المبين فلذلك فصلت ولم تعطف، وهذا من دلالة ترتيب الكلام على إرادة المتكلم إذ يعلم السامع من وقوع وصف الشيطان عقب وصف الغرور أن الغرور هو الشيطان. وأظهر اسم الشيطان في مقام الإضمار للإفصاح عن المراد بالغرور أنه الشيطان وإثارة العداوة بين الناس والشيطان معنى من معاني القرآن تصريحا وتضمنا، وهو هنا صريح كما في قوله تعالى: وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو [البقرة: 36] . وتلك عداوة مودعة في جبلته كعداوة الكلب للهر لأن جبلة الشيطان موكولة بإيقاع الناس في الفساد وأسوأ العواقب في قوالب محسنة مزينة، وشواهد ذلك تظهر للإنسان في نفسه وفي الحوادث حيثما عثر عليها وقد قال تعالى: يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة [الأعراف: 27] . وتأكيد الخبر بحرف التأكيد لقصد تحقيقه لأنهم بغفلتهم عن عداوة الشيطان كحال من ينكر أن الشيطان عدو. وتقديم لكم على متعلقه للاهتمام بهذا المتعلق فرع عنه أن أمروا باتخاذه عدوا لأنهم إذا علموا أنه عدو لهم حق عليهم اتخاذه عدوا وإلا لكانوا في حماقة. وفيه تنبيه على وجوب عداوتهم الدعاة في الضلالة المستمدين من الشيطان. والكلام على لفظ عدو تقدم عند قوله تعالى: فإن كان من قوم عدو لكم في سورة النساء [92] . واللام في لكم لام الاختصاص وهي التي تتضمنها الإضافة فلما قدم ما حقه أن يكون مضافا إليه صرح باللام ليحصل معنى الإضافة.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/٢٦٠) ↗