سورة فاطر · الآية ٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { أفمن زين له } عمله السيئ القبيح، زينه له الشيطان، وحسنه في عينه. { فرآه حسنا } أي: كمن هداه الله إلى الصراط المستقيم والدين القويم، فهل يستوي هذا وهذا؟ فالأول: عمل السيئ، ورأى الحق باطلا، والباطل حقا. والثاني: عمل الحسن، ورأى الحق حقا، والباطل باطلا، ولكن الهداية والإضلال بيد الله تعالى، { فإن الله يضل من يشآء ويهدي من يشآء فلا تذهب نفسك عليهم } أي: على الضالين الذين زين لهم سوء أعمالهم، وصدهم الشيطان عن الحق { حسرات } فليس عليك إلا البلاغ، وليس عليك من هداهم شيء، والله [هو] الذي يجازيهم بأعمالهم { إن الله عليم بما يصنعون }.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: فاطر ٨) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ورسله {وعملوا الصالحات لهم مغفرة} أي: لما كان منهم من ذنب، {وأجر كبير} على ما عملوه من خير. ثم قال: {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا} يعني: كالكفار والفجار، يعملون أعمالا سيئة، وهم في ذلك يعتقدون ويحسون (1) أنهم يحسنون صنعا، أي: أفمن كان هكذا قد أضله الله، ألك فيه حيلة؟ لا حيلة لك فيه، {فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء} أي: بقدره كان ذلك، {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} أي: لا تأسف على ذلك فإن الله حكيم في قدره، إنما يضل من يضل (2) ويهدي من يهدي (3) ، لما له في ذلك من الحجة البالغة، والعلم التام؛ ولهذا قال: {إن الله عليم بما يصنعون} . وقال (4) ابن أبي حاتم عند هذه الآية: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي عمرو السيباني -أو: ربيعة-عن عبد الله بن الديلمي قال: أتيت عبد الله بن عمرو، وهو في حائط بالطائف يقال له: الوهط، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من نوره يومئذ فقد اهتدى، ومن أخطأه منه ضل، فلذلك أقول: جف القلم على ما علم الله عز وجل". (5) ثم قال: حدثنا يحيى بن عبدك القزويني، حدثنا حسان بن حسان البصري، حدثنا إبراهيم بن بشر (6) حدثنا يحيى بن معين (7) حدثنا إبراهيم القرشي، عن سعد بن شرحبيل (8) عن زيد بن أبي أوفى قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "الحمد لله الذي يهدي من (9) الضلالة، ويلبس الضلالة على من أحب". (10) وهذا أيضا حديث غريب جدا.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٥٣٥) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
والأوثان، فرآه حسنا، فحسب سيئ ذلك حسنا، وظن أن قبحه جميل، لتزيين، الشيطان ذلك له، ذهبت نفسك عليهم حسرات؛ وحذف من الكلام: ذهبت نفسك عليهم حسرات، اكتفاء بدلالة قوله: {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} [فاطر: 8] منه
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٣٣٣) ↗التحرير والتنوير
… يعلمون كيده ولكنهم يتبعون بعض وسوسته بدافع الشهوات وهم مع ذلك يلعنونه ويتبرأون منه. وقد قال النبيء صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع «إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه ولكنه قد رضي منكم بما دون ذلك مما تحقرون من أعمالكم» . وذكر والذين آمنوا وعملوا الصالحات تتميم بأن الذين لم يكونوا من حزبه قد فازوا بالخيرات. وقد أشارت الآية إلى طرفين في الضلال والاهتداء وطوت ما بين ذينك من المراتب ليعلم أن ما بين ذلك ينالهم نصيبهم من أشبه أحوالهم بأحوال أحد الفريقين على عادة القرآن في وضع المسلم بين الخوف والرجاء، والأمل والرهبة. [8] 8] أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون (8) لما جرى تحذير الناس من غرور الشيطان وإيقاظهم إلى عداوته للنوع الإنساني، وتقسيم الناس إلى فريقين: فريق انطلت عليه مكائد الشيطان واغتروا بغروره ولم يناصبوه العداء، وفريق أخذوا حذرهم منه واحترسوا من كيده وتجنبوا السير في مسالكه، ثم تقسيمهم إلى كافر معذب ومؤمن صالح منعم عليه، أعقب ذلك بالإيماء إلى استحقاق حزب الشيطان عذاب السعير، وبتسلية النبيء صلى الله عليه وسلم على من لم يخلصوا من حبائل الشيطان من أمة دعوته بأسلوب الملاطفة في التسلية ففرع على جميع ما تقدم قوله: أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا إلى قوله: بما يصنعون فابتداؤه بفاء التفريع ربط له بما تقدم ليعود الذهن إلى ما حكي من أحوالهم، فالتفريع على قوله: إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير [فاطر: 6] ، ثم بإبراز الكلام المفرع في صورة الاستفهام الإنكاري، واجتلاب الموصول الذي تومىء صلته إلى علة الخبر المقصود، فأشير إلى أن وقوعه في هذه الحالة ناشىء من تزيين الشيطان له سوء عمله، فالمزين للأعمال السيئة هو الشيطان قال تعالى: وزين لهم الشيطان أعمالهم [النمل: 24] فرأوا أعمالهم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/٢٦٣) ↗