سورة فاطر · الآية ٤٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يحض تعالى على السير في الأرض، في القلوب والأبدان، للاعتبار، لا لمجرد النظر والغفلة، وأن ينظروا إلى عاقبة الذين من قبلهم ممن كذبوا الرسل، وكانوا أكثر منهم أموالا وأولادا وأشد قوة، وعمروا الأرض أكثر مما عمرها هؤلاء، فلما جاءهم العذاب، لم تنفعهم قوتهم، ولم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا، ونفذت فيهم قدرة الله ومشيئته. { وما كان الله ليعجزه من شيء في السموت ولا في الأرض } لكمال علمه وقدرته { إنه كان عليما قديرا }. ثم ذكر تعالى كمال حلمه، وشدة إمهاله وإنظاره أرباب الجرائم والذنوب، فقال: { ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا } من الذنوب { ما ترك على ظهرها من دآبة } أي: لاستوعبت العقوبة، حتى الحيوانات غير المكلفة. { ولكن } يمهلهم تعالى ولا يهملهم و { يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جآء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا } فيجازيهم بحسب ما علمه منهم، من خير وشر.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: فاطر ٤٤–٤٥) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
أي: كانت الأمم الماضية والقرون السالفة أشد منكم -أيها المبعوث إليهم محمد صلوات الله وسلامه عليه (1) وأكثر أموالا وأولادا، وما أوتيتم معشار ما أوتوا، ومكنوا في الدنيا تمكينا لم تبلغوا إليه، وعمروا فيها أعمارا طوالا فعمروها أكثر منكم. واستغلوها أكثر من استغلالكم، ومع هذا لما جاءتهم رسلهم بالبينات وفرحوا بما أوتوا، أخذهم الله بذنوبهم، وما كان لهم من الله من واق، ولا حالت أموالهم ولا أولادهم بينهم وبين بأس (2) الله، ولا دفعوا عنهم مثقال ذرة، وما كان الله ليظلمهم فيما أحل بهم من العذاب والنكال {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} أي: وإنما أوتوا من أنفسهم حيث كذبوا بآيات الله، واستهزؤوا بها، وما ذاك إلا بسبب ذنوبهم السالفة وتكذيبهم المتقدم؛ ولهذا قال: {ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون} ، كما قال تعالى: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون} [الأنعام: 110] ، وقوله (3) : {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} [الصف: 5] ، وقال: {فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم} [المائدة: 49] . وعلى هذا تكون (4) السوءى منصوبة مفعولا لأساءوا. وقيل: بل المعنى في ذلك: {ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى} أي: كانت السوءى عاقبتهم؛ لأنهم كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون. فعلى هذا تكون السوءى منصوبة خبر كان. هذا توجيه ابن جرير (5) ، ونقله (6) عن ابن عباس وقتادة. ورواه ابن أبي حاتم عنهما وعن الضحاك بن مزاحم، وهو الظاهر، والله أعلم، {وكانوا بها يستهزئون} . يقول تعالى: {الله يبدأ الخلق ثم يعيده} أي: كما هو قادر على بداءته فهو قادر على إعادته، {ثم إليه ترجعون} ، أي: يوم القيامة فيجازي كل عامل بعمله. ثم قال: {ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون} قال ابن عباس: ييأس المجرمون. وقال مجاهد: يفتضح المجرمون. وفي رواية: يكتئب المجرمون. {ولم يكن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٤٦٤) ↗التحرير والتنوير
والتحويل: نقل الشيء من مكان إلى غيره، وكأنه مشتق من الحول وهو الجانب. والمعنى: أنه لا تقع الكرامة في موقع العقاب، ولا يترك عقاب الجاني. وفي هذا المعنى قول الحكماء: ما بالطبع لا يتخلف ولا يختلف. [44] 44] أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا (44) أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة. عطف على جملة فهل ينظرون إلا سنت الأولين [فاطر: 43] استدلالا على أن مساواتهم للأولين تنذر بأن سيحل بهم ما حل بأولئك من نوع ما يشاهدونه من آثار استئصالهم في ديارهم. وجملة وكانوا أشد منهم قوة في موضع الحال، أي كان عاقبتهم الاضمحلال مع أنهم أشد قوة من هؤلاء فيكون استئصال هؤلاء أقرب. وجيء بهذه الحال في هذه الآية لما يفيده موقع الحال من استحضار صورة تلك القوة إيثارا للإيجاز لاقتراب ختم السورة. ولذلك لم يؤت في نظائرها بجملة الحال ولكن أتي فيها بجملة وصف في قوله في سورة غافر [21] : الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض، وفي سورة الروم [9] الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض حيث أوثر فيهما الإطناب بتعداد بعض مظاهر تلك القوة. وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا. لما عرض وصف الأمم السابقة بأنهم أشد قوة من قريش في معرض التمثيل بالأولين تهديدا واستعدادا لتلقي مثل عذابهم أتبع ذلك بالاحتراس عن الطماعية في النجاة من مثل عذابهم بعلة أن لهم من المنجيات ما لم يكن للأمم الخالية كزعمهم: أن لهم آلهة تمنعهم من عذاب الله بشفاعتها أو دفاعها فقيل: وما
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/٣٣٨) ↗