سورة فاطر · الآية ٤٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: وأقسم هؤلاء، الذين كذبوك يا رسول الله، قسما اجتهدوا فيه بالأيمان الغليظة. { لئن جآءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم } أي: أهدى من اليهود والنصارى [أهل الكتب]، فلم يفوا بتلك الإقسامات والعهود. { فلما جآءهم نذير } لم يهتدوا، ولم يصيروا أهدى من إحدى الأمم، بل لم يدوموا على ضلالهم الذي كان، بل { ما زادهم } ذلك { إلا نفورا } وزيادة ضلال وبغي وعناد. وليس إقسامهم المذكور، لقصد حسن، وطلب للحق، وإلا لوفقوا له، ولكنه صادر عن استكبار في الأرض على الخلق وعلى الحق، وبهرجة في كلامهم هذا، يريدون به المكر والخداع، وأنهم أهل الحق، الحريصون على طلبه، فيغتر به المغترون، ويمشي خلفهم المقتدون. { ولا يحيق المكر السيىء } الذي مقصوده مقصود سيئ، ومآله وما يرمي إليه سيئ باطل { إلا بأهله } فمكرهم إنما يعود عليهم، وقد أبان الله لعباده في هذه المقالات وتلك الإقسامات، أنهم كذبة في ذلك مزورون، فاستبان خزيهم، وظهرت فضيحتهم، وتبين قصدهم السيئ، فعاد مكرهم في نحورهم، ورد الله كيدهم في صدورهم. فلم يبق لهم إلا انتظار ما يحل بهم من العذاب، الذي هو سنة الله في الأولين، التي لا تبدل ولا تغير، أن كل من سار في الظلم والعناد والاستكبار على العباد، أن يحل به نقمته، وتسلب عنه نعمته، فليترقب هؤلاء، ما فعل بأولئك.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: فاطر ٤٢–٤٣) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
مكذب، {ولن تجد لسنة الله تحويلا} أي: {وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له} [الرعد: 11] ، ولا يكشف ذلك عنهم، ويحوله عنهم أحد. يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بما جئتهم به من الرسالة: سيروا في الأرض، فانظروا كيف كان عاقبة الذين كذبوا الرسل؟ كيف دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها، فخليت منهم منازلهم، وسلبوا ما كانوا فيه من النعم بعد كمال القوة، وكثرة العدد والعدد، وكثرة الأموال والأولاد، فما أغنى ذلك شيئا، ولا دفع (1) عنهم من عذاب الله من شيء، لما جاء أمر ربك لأنه تعالى لا يعجزه شيء، إذا أراد كونه في السموات والأرض؟ {إنه كان عليما قديرا} أي: عليم بجميع الكائنات، قدير على مجموعها. ثم قال تعالى: {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} أي: لو آخذهم (2) بجميع ذنوبهم، لأهلك جميع أهل الأرض، وما يملكونه من دواب وأرزاق. قال (3) ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: كاد الجعل أن يعذب في جحره بذنب ابن آدم، ثم قرأ: {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} . وقال سعيد بن جبير، والسدي في قوله: {ما ترك على ظهرها من دابة} أي: لما سقاهم المطر، فماتت جميع الدواب. {ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى} أي: ولكن ينظرهم إلى يوم القيامة، فيحاسبهم يومئذ، ويوفي كل عامل بعمله، فيجازي بالثواب أهل الطاعة، وبالعقاب أهل المعصية؛ ولهذا قال تعالى: {فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا} . آخر تفسير سورة "فاطر" ولله الحمد والمنة.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٥٦٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الله تحويلا} يقول تعالى ذكره: وأقسم هؤلاء المشركون بالله جهد أيمانهم؛ يقول: أشد الإيمان، فبالغوا فيها، لئن جاءهم من الله منذر ينذرهم بأس الله {ليكونن أهدى من إحدى الأمم} [فاطر: 42] يقول: ليكونن أسلك لطريق الحق، وأشد قبولا لما يأتيهم به النذير من عند الله، من إحدى الأمم التي خلت من قبلهم؛ {فلما جاءهم نذير} [فاطر: 42] يعني بالنذير: محمدا صلى الله عليه وسلم، يقول: فلما جاءهم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٣٩٢) ↗التحرير والتنوير
[42، 43] وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا (42) استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا (43) وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا [42] استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله. هذا شيء حكاه القرآن عن المشركين فهو حكاية قول صدر عنهم لا محالة، ولم يرو خبر عن السلف يعين صدور مقالتهم هذه، ولا قائلها سوى كلام أثر عن الضحاك هو أشبه بتفسير الضمير من أقسموا، وتفسير المراد من إحدى الأمم ولم يقل إنه سبب نزول. وقال كثير من المفسرين: إن هذه المقالة صدرت عنهم قبل بعثة النبيء صلى الله عليه وسلم لما بلغهم أن اليهود والنصارى كذبوا الرسل. والذي يلوح لي: أن هذه المقالة صدرت عنهم في مجاري المحاورة أو المفاخرة بينهم وبين بعض أهل الكتاب ممن يقدم عليهم بمكة، أو يقدمون هم عليهم في أسفارهم إلى يثرب أو إلى بلاد الشام، فربما كان أهل تلك البلدان يدعون المشركين إلى اتباع اليهودية أو النصرانية ويصغرون الشرك في نفوسهم، فكان المشركون لا يجرأون على تكذيبهم لأنهم كانوا مرموقين عندهم بعين الوقار إذ كانوا يفضلونهم بمعرفة الديانة وبأنهم ليسوا أميين وهم يأبون أن يتركوا دين الشرك فكانوا يعتذرون بأن رسول القوم الذين يدعونهم إلى دينهم لم يكن مرسلا إلى العرب ولو جاءنا رسول لكنا أهدى منكم، كما قال تعالى: أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم [الأنعام: 157] . والأظهر أن يكون الداعون لهم هم النصارى لأن الدعاء إلى النصرانية من شعار أصحاب عيسى عليه السلام فإنهم يقولون: إن عيسى أوصاهم أن يرشدوا بني الإنسان إلى الحق وكانت الدعوة إلى النصرانية فأشبه في بلاد العرب …
أكمل القراءة في الكتاب ↗