سورة فاطر · الآية ٤٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يحض تعالى على السير في الأرض، في القلوب والأبدان، للاعتبار، لا لمجرد النظر والغفلة، وأن ينظروا إلى عاقبة الذين من قبلهم ممن كذبوا الرسل، وكانوا أكثر منهم أموالا وأولادا وأشد قوة، وعمروا الأرض أكثر مما عمرها هؤلاء، فلما جاءهم العذاب، لم تنفعهم قوتهم، ولم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا، ونفذت فيهم قدرة الله ومشيئته. { وما كان الله ليعجزه من شيء في السموت ولا في الأرض } لكمال علمه وقدرته { إنه كان عليما قديرا }. ثم ذكر تعالى كمال حلمه، وشدة إمهاله وإنظاره أرباب الجرائم والذنوب، فقال: { ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا } من الذنوب { ما ترك على ظهرها من دآبة } أي: لاستوعبت العقوبة، حتى الحيوانات غير المكلفة. { ولكن } يمهلهم تعالى ولا يهملهم و { يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جآء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا } فيجازيهم بحسب ما علمه منهم، من خير وشر.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: فاطر ٤٤–٤٥) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق} [الشورى: 18] {وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب} [ص: 16] أي: حسابنا وعقابنا، كما قال مخبرا عنهم: {وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} [الأنفال: 32] فكانوا (2) يطلبون من الرسول أن يأتيهم بعذاب الله، وذلك من شدة تكذيبهم وكفرهم وعنادهم. قال الله تعالى: {وقد خلت من قبلهم المثلات} أي: قد أوقعنا نقمتنا بالأمم الخالية وجعلناهم مثلة وعبرة وعظة لمن اتعظ بهم. ثم أخبر تعالى أنه لولا حلمه وعفوه [وغفره] (3) لعالجهم بالعقوبة، كما قال تعالى: {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} [فاطر: 45] (4) . وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم} أي: إنه ذو عفو وصفح (5) وستر للناس مع أنهم يظلمون ويخطئون بالليل والنهار. ثم قرن هذا الحكم بأنه شديد العقاب، ليعتدل الرجاء والخوف، كما قال تعالى: {فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين} [الأنعام: 147] وقال: {إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم} [الأعراف: 167] وقال: {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم} [الحجر:49، 50] إلى أمثال ذلك من الآيات التي تجمع الرجاء والخوف. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب قال: لما نزلت هذه الآية: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لولا عفو الله وتجاوزه، ما هنأ أحدا العيش (6) ولولا وعيده (7) وعقابه، لاتكل كل أحد" (8) . وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة الحسن بن عثمان أبي حسان الزيادي: أنه رأى رب العزة في
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٤/٤٣٣) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
واجترحوا من الآثام، ما ترك على ظهرها من دابة تدب عليها {ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى} [النحل: 61] يقول: ولكن يؤخر عقابهم ومؤاخذتهم بما كسبوا إلى أجل معلوم عنده، محدود لا يقصرون PageEndV19P397 دونه، ولا يجاوزونه إذا بلغوه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٣٩٦) ↗التحرير والتنوير
كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض، أي هبكم أقوى من الأولين أو أشد حيلة منهم أو لكم من الأنصار ما ليس لهم، فما أنتم بمفلتين من عذاب الله لأن الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء كقوله: وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير [العنكبوت: 22] . وجيء بلام الجحود مع كان المنفية لإفادة تأكيد نفي كل شيء يحول دون قدرة الله وإرادته، فهذه الجملة كالاحتراس. ومعنى «يعجزه» : يجعله عاجزا عن تحقيق مراده فيه فيفلت أحد عن مراد الله منه. وجملة إنه كان عليما قديرا تعليل لانتفاء شيء يغالب مراد الله بأن الله شديد العلم واسعه لا يخفى عليه شيء وبأنه شديد القدرة. وقد حصر هذان الوصفان انتفاء أن يكون شيء يعجز الله لأن عجز المريد عن تحقيق إرادته: إما أن يكون سببه خفاء موضع تحقق الإرادة، وهذا ينافي إحاطة العلم، أو عدم استطاعة التمكن منه وهذا ينافي عموم القدرة. [45] ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا (45) تذكير لهم عن أن يغرهم تأخير المؤاخذة فيحسبوه عجزا أو رضى من الله بما هم فيه فهم الذين قالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم [الأنفال: 32] فعلمهم أن لعذاب الله آجالا اقتضتها حكمته، فيها رعي مصالح أمم آخرين، أو استبقاء أجيال آتين. فالمراد ب الناس مجموع الأمة، وضمير «ما كسبوا» وضمير يؤخرهم عائد إلى أجل. ونظير هذه الآية تقدم في سورة النحل إلى قوله: فإذا جاء أجلهم إلا أن هذه الآية جاء فيها بما كسبوا وهنالك جاء فيها بظلمهم [النحل: 61] لأن ما كسبوا
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/٣٣٩) ↗