سورة فاطر · الآية ٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يأمر تعالى جميع الناس أن يذكروا نعمته عليهم، وهذا شامل لذكرها بالقلب اعترافا، وباللسان ثناء، وبالجوارح انقيادا، فإن ذكر نعمه تعالى داع لشكره، ثم نبههم على أصول النعم، وهي الخلق والرزق، فقال: { هل من خالق غير الله يرزقكم من السمآء والأرض }. ولما كان من المعلوم أنه ليس أحد يخلق ويرزق إلا الله، نتج من ذلك، أن كان ذلك دليلا على ألوهيته وعبوديته، ولهذا قال: { لا إله إلا هو فأنى تؤفكون } أي: تصرفون عن عبادة الخالق الرازق لعبادة المخلوق المرزوق. { وإن يكذبوك } يا أيها الرسول، فلك أسوة بمن قبلك من المرسلين، { فقد كذبت رسل من قبلك } فأهلك المكذبون، ونجى الله الرسل وأتباعهم. { وإلى الله ترجع الأمور }.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: فاطر ٣–٤) ↗التحرير والتنوير
فقوله هنا: وما يمسك حذف مفعوله لدلالة قوله: ما يفتح الله للناس من رحمة عليه. والتقدير: وما يمسكه من رحمة، ولم يذكر له بيان استغناء ببيانه من فعل. والإرسال: ضد الإمساك، وتعدية الإرسال باللام للتقوية لأن العامل هنا فرع في العمل. ومن بعده بمعنى: من دونه كقوله تعالى: فمن يهديه من بعد الله [الجاثية: 23] فبأي حديث بعد الله [الجاثية: 6] ، أي فلا مرسل له دون الله، أي لا يقدر أحد على إبطال ما أراد الله من إعطاء أو منع والله يحكم لا معقب لحكمه. وتذكير الضمير في قوله: فلا مرسل له مراعاة للفظ ما لأنها لا بيان لها، وتأنيثه في قوله: فلا ممسك لها لمراعاة بيان ما في قوله: من رحمة لقربه. وعطف وهو العزيز الحكيم تذييل رجح فيه جانب الإخبار فعطف، وكان مقتضى الظاهر أن يكون مفصولا لإفادة أنه يفتح ويمسك لحكمة يعلمها، وأنه لا يستطيع أحد نقض ما أبرمه في فتح الرحمة وغيره من تصرفاته لأن الله عزيز لا يمكن لغيره أن يغلبه، فإن نقض ما أبرم ضرب من الهوان والمذلة. ولذلك كان من شعار صاحب السؤدد أنه يبرم وينقض قال الأعشى: علقم ما أنت إلى عامر ... الناقض الأوتار والواتر وضمير لها وضمير له عائدان إلى ما من قوله: ما يفتح الله للناس من رحمة، روعي في تأنيث أحد الضميرين معنى ما فإنه اسم صادق على رحمة وقد بين بها، وروعي في تذكير الضمير الآخر لفظ ما لأنه لفظ لا علامة تأنيث فيه. وهما اعتباران كثيران في مثله في فصيح الكلام، فالمتكلم بالخيار بين أي الاعتبارين شاء. والجمع بينهما في هذه الآية تفنن. وأوثر بالتأنيث ضمير ما لأنها مبينة بلفظ مؤنث وهو من رحمة. [3] 3] يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (3) يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض. لما جرى ذكر رحمة الله التي تعم الناس كلهم أقبل على خطابهم بأن يتذكروا
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/٢٥٣) ↗