البيانابحثاسألالموضوعات

سورة فاطر · الآية ١٨

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۗ إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ۚ وَمَنْ تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخاطب تعالى جميع الناس، ويخبرهم بحالهم ووصفهم، وأنهم فقراء إلى الله من جميع الوجوه: فقراء في إيجادهم، فلولا إيجاده إياهم، لم يوجدوا. فقراء في إعدادهم بالقوى والأعضاء والجوارح، التي لولا إعداده إياهم [بها]، لما استعدوا لأي عمل كان. فقراء في إمدادهم بالأقوات والأرزاق والنعم الظاهرة والباطنة، فلولا فضله وإحسانه وتيسيره الأمور، لما حصل [لهم] من الرزق والنعم شيء. فقراء في صرف النقم عنهم، ودفع المكاره، وإزالة الكروب والشدائد. فلولا دفعه عنهم، وتفريجه لكرباتهم، وإزالته لعسرهم، لاستمرت عليهم المكاره والشدائد. فقراء إليه في تربيتهم بأنواع التربية وأجناس التدبير. فقراء إليه، في تألههم له، وحبهم له، وتعبدهم، وإخلاص العبادة له تعالى، فلو لم يوفقهم لذلك لهلكوا، وفسدت أرواحهم وقلوبهم وأحوالهم. فقراء إليه، في تعليمهم ما لا يعلمون، وعملهم بما يصلحهم، فلولا تعليمه لم يتعلموا، ولولا توفيقه لم يصلحوا. فهم فقراء بالذات إليه، بكل معنى، وبكل اعتبار، سواء شعروا ببعض أنواع الفقر أم لم يشعروا، ولكن الموفق منهم، الذي لا يزال يشاهد فقره في كل حال من أمور دينه ودنياه، ويتضرع له، ويسأله أن لا يكله إلى نفسه طرفة عين، وأن يعينه على جميع أموره، ويستصحب هذا المعنى في كل وقت، فهذا أحرى بالإعانة التامة من ربه وإلهه، الذي هو أرحم به من الوالدة بولدها. { والله هو الغني الحميد } أي: الذي له الغنى التام من جميع الوجوه، فلا يحتاج إلى ما يحتاج إليه خلقه، ولا يفتقر إلى شيء مما يفتقر إليه الخلق، وذلك لكمال صفاته، وكونها كلها صفات كمال، ونعوت وجلال. ومن غناه تعالى، أن أغنى الخلق في الدنيا والآخرة، الحميد في ذاته، وأسمائه لأنها حسنى، وأوصافه لكونها عليا، وأفعاله لأنها فضل وإحسان وعدل وحكمة ورحمة، وفي أوامره ونواهيه، فهو الحميد على ما فيه، وعلى ما منه، وهو الحميد في غناه [الغني في حمده]. { إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

جزاء الله تعالى وحكمه وعدله، أن النفوس إنما تجازى بأعمالها (1) إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وأنه لا يحمل من خطيئة أحد على أحد. وهذا من عدله تعالى، كما قال: {وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى} [فاطر: 18] ، وقوله {فلا يخاف ظلما ولا هضما} [طه: 112] ، قال علماء التفسير (2) : فلا يظلم بأن يحمل عليه سيئات غيره، ولا يهضم بأن ينقص من حسناته. وقال تعالى: {كل نفس بما كسبت رهينة * إلا أصحاب اليمين} [المدثر: 38، 39] ، معناه: كل نفس مرتهنة بعملها السيئ إلا أصحاب اليمين، فإنه قد تعود (3) بركات أعمالهم الصالحة على ذراريهم، كما قال في سورة الطور: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء} [الآية: 21] ، أي: ألحقنا بهم ذرياتهم في المنزلة الرفيعة في الجنة، وإن لم يكونوا قد شاركوهم في الأعمال، بل في أصل الإيمان، {وما ألتناهم} أي: أنقصنا أولئك السادة الرفعاء من أعمالهم شيئا حتى ساويناهم وهؤلاء الذين هم أنقص منهم منزلة، بل رفعهم تعالى إلى منزلة الآباء ببركة أعمالهم، بفضله ومنته (4) ثم قال: {كل امرئ بما كسب رهين} [الطور: 21] ، أي: من شر. وقوله: {ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} أي: اعملوا على مكانتكم إنا عاملون على ما نحن عليه، فستعرضون ونعرض عليه، وينبئنا وإياكم بأعمالنا وأعمالكم، وما كنا نختلف فيه في الدار الدنيا، كما قال تعالى: {قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون. قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم} [سبأ: 25، 26] . يقول تعالى: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} أي: جعلكم تعمرون الأرض جيلا بعد جيل، وقرنا بعد قرن، وخلفا بعد سلف. قاله ابن زيد وغيره، كما قال: {ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون} [الزخرف: 60] ، وكقوله تعالى: {ويجعلكم خلفاء الأرض} [النمل: 62] ، وقوله {إني جاعل في الأرض …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

الداعيك إلى عبادة الأصنام واتباع خطوات الشيطان: {أغير الله أبغي ربا} [الأنعام: 164] يقول: أسوى الله أطلب سيدا يسودني. {وهو رب كل شيء} [الأنعام: 164] يقول: وهو سيد كل شيء دونه، ومدبره ومصلحه. {ولا تكسب كل نفس إلا عليها} [الأنعام: 164] يقول: ولا تجترح نفس إثما إلا عليها، أي لا يؤخذ بما أتت من معصية الله تبارك وتعالى وركبت من الخطيئة سواها، بل كل ذي إثم فهو المعاقب بإثمه والمأخوذ بذنبه. {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام: 164] يقول: ولا تأثم نفس آثمة بإثم نفس أخرى غيرها، ولكنها تأثم بإثمها وعليه تعاقب دون إثم أخرى غيرها. وإنما يعني بذلك المشركين الذين أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول هذا القول لهم، يقول: قل لهم: إنا لسنا مأخوذين بآثامكم، وعليكم عقوبة إجرامكم، ولنا جزاء أعمالنا. وهذا كما أمره الله جل ثناؤه في موضع آخر أن

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٠/٤٨) ↗

التحرير والتنوير

وهذا في معنى قوله: وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم [محمد: 38] . وليس المعنى: أنه إن يشأ يعجل بموتهم فيأتي جيل أبنائهم مؤمنين لأن قوله: وما ذلك على الله بعزيز ينبو عنه. وعطف عليه الإعلام بأن ذلك لو شاء لكان هينا عليه وما هو عليه بعزيز. والعزيز: الممتنع الغالب، وهذا زيادة في الإرهاب والتهديد ليكونوا متوقعين حلول هذا بهم. ومفعول فعل المشيئة محذوف استغناء بما دل عليه جواب الشرط وهو يذهبكم أي إن يشأ إذهابكم، ومثل هذا الحذف لمفعول المشيئة كثير في الكلام. والإشارة في قوله: وما ذلك عائدة إلى الإذهاب المدلول عليه ب يذهبكم أو إلى ما تقدم بتأويل المذكور. [18] ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير (18) ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى. لما كان ما قبل هذه الآية مسوقا في غرض التهديد وكان الخطاب للناس أريدت طمأنة المسلمين من عواقب التهديد، فعقب بأن من لم يأت وزرا لا يناله جزاء الوازر في الآخرة قال تعالى: ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا [مريم: 72] . وقد يكون وعدا بالإنجاء من عذاب الدنيا إذا نزل بالمهددين الإذهاب والإهلاك مثلما أهلك فريق الكفار يوم بدر وأنجي فريق المؤمنين، فيكون هذا وعدا خاصا لا يعارضه قوله تعالى: واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة [الأنفال: 25] وما ورد في حديث أم سلمة قالت: «يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث» . فموقع قوله: ولا تزر وازرة وزر أخرى كموقع قوله تعالى: حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/٢٨٧) ↗