البيانابحثاسألالموضوعات

سورة فاطر · الآية ١٧

﴿وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخاطب تعالى جميع الناس، ويخبرهم بحالهم ووصفهم، وأنهم فقراء إلى الله من جميع الوجوه: فقراء في إيجادهم، فلولا إيجاده إياهم، لم يوجدوا. فقراء في إعدادهم بالقوى والأعضاء والجوارح، التي لولا إعداده إياهم [بها]، لما استعدوا لأي عمل كان. فقراء في إمدادهم بالأقوات والأرزاق والنعم الظاهرة والباطنة، فلولا فضله وإحسانه وتيسيره الأمور، لما حصل [لهم] من الرزق والنعم شيء. فقراء في صرف النقم عنهم، ودفع المكاره، وإزالة الكروب والشدائد. فلولا دفعه عنهم، وتفريجه لكرباتهم، وإزالته لعسرهم، لاستمرت عليهم المكاره والشدائد. فقراء إليه في تربيتهم بأنواع التربية وأجناس التدبير. فقراء إليه، في تألههم له، وحبهم له، وتعبدهم، وإخلاص العبادة له تعالى، فلو لم يوفقهم لذلك لهلكوا، وفسدت أرواحهم وقلوبهم وأحوالهم. فقراء إليه، في تعليمهم ما لا يعلمون، وعملهم بما يصلحهم، فلولا تعليمه لم يتعلموا، ولولا توفيقه لم يصلحوا. فهم فقراء بالذات إليه، بكل معنى، وبكل اعتبار، سواء شعروا ببعض أنواع الفقر أم لم يشعروا، ولكن الموفق منهم، الذي لا يزال يشاهد فقره في كل حال من أمور دينه ودنياه، ويتضرع له، ويسأله أن لا يكله إلى نفسه طرفة عين، وأن يعينه على جميع أموره، ويستصحب هذا المعنى في كل وقت، فهذا أحرى بالإعانة التامة من ربه وإلهه، الذي هو أرحم به من الوالدة بولدها. { والله هو الغني الحميد } أي: الذي له الغنى التام من جميع الوجوه، فلا يحتاج إلى ما يحتاج إليه خلقه، ولا يفتقر إلى شيء مما يفتقر إليه الخلق، وذلك لكمال صفاته، وكونها كلها صفات كمال، ونعوت وجلال. ومن غناه تعالى، أن أغنى الخلق في الدنيا والآخرة، الحميد في ذاته، وأسمائه لأنها حسنى، وأوصافه لكونها عليا، وأفعاله لأنها فضل وإحسان وعدل وحكمة ورحمة، وفي أوامره ونواهيه، فهو الحميد على ما فيه، وعلى ما منه، وهو الحميد في غناه [الغني في حمده]. { إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

بعزيز} [فاطر: 15 -17] ، وقال: {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} [محمد: 38] ، وقال: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} [المائدة: 54] ، وقال: {إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا} [النساء: 133] . يقول: {وبرزوا [لله] (1) } أي: برزت الخلائق كلها، برها وفاجرها لله وحده الواحد القهار، أي: اجتمعوا له في براز (2) من الأرض، وهو المكان الذي ليس فيه شيء يستر أحدا. {فقال الضعفاء} وهم الأتباع لقادتهم وسادتهم وكبرائهم الذين استكبروا عن عبادة. الله وحده لا شريك له، وعن موافقة الرسل، فقالوا لهم: {إنا كنا لكم تبعا} أي: مهما أمرتمونا ائتمرنا وفعلنا، {فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء} أي: فهل تدفعون عنا شيئا من عذاب الله، كما كنتم تعدوننا وتمنوننا؟ فقالت القادة لهم: {لو هدانا الله لهديناكم} ولكن حق علينا قول ربنا، وسبق فينا وفيكم قدر الله، وحقت كلمة العذاب على الكافرين. {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص} أي: ليس لنا خلاص مما نحن فيه إن صبرنا عليه أو جزعنا منه. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إن أهل النار قال بعضهم لبعض: تعالوا، فإنما أدرك أهل الجنة الجنة ببكائهم وتضرعهم إلى الله، عز وجل، تعالوا نبك ونتضرع إلى الله فبكوا وتضرعوا، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا: تعالوا، فإنما أدرك أهل الجنة الجنة بالصبر، تعالوا حتى نصبر فصبروا صبرا لم ير مثله، فلم ينفعهم ذلك، فعند ذلك قالوا (3) {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص} قلت: والظاهر أن هذه المراجعة في النار بعد دخولهم إليها، كما قال تعالى: {وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد} [غافر: 47، 48] ، وقال تعالى: {قال ادخلوا في أمم قد …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

ظهير ولا معين {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد} [إبراهيم: 19] يقول: إن الذي تفرد بخلق ذلك وإنشائه من غير معين ولا شريك، إن هو شاء أن يذهبكم فيفنيكم أذهبكم وأفناكم، ويأت بخلق آخر سواكم مكانكم، فيجدد خلقهم

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٣/٦٢٥) ↗

التحرير والتنوير

المستفاد من جملة أنتم الفقراء على القصر الإضافي، وهو قصر قلب، وأما حمل القصر الحقيقي ثم تكلف أنه ادعائي فلا داعي إليه. وإتباع صفة الغني ب الحميد تكميل، فهو احتراس لدفع توهمهم أنه لما كان غنيا عن استجابتهم وعبادتهم فهم معذورون في أن لا يعبدوه، فنبه على أنه موصوف بالحمد لمن عبده واستجاب لدعوته كما أتبع الآية الأخرى إن تكفروا فإن الله غني عنكم [الزمر: 7] بقوله: إلى الله كما وقع الغني في مقابلة قوله: الفقراء لأنه لما قيد فقرهم بالكون إلى الله قيد غنى الله تعالى بوصف الحميد لإفادة أن غناه تعالى مقترن بجوده فهو يحمد من يتوجه إليه. [16، 17] إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد (16) وما ذلك على الله بعزيز (17) واقع موقع البيان لما تضمنته جملة هو الغني الحميد [فاطر: 15] من معنى قلة الاكتراث بإعراضهم عن الإسلام، ومن معنى رضاه على من يعبده فهو تعالى لغناه عنهم وغضبه عليهم لو شاء لأبادهم وأتى بخلق آخرين يعبدونه فخلص العالم من عصاة أمر الله وذلك في قدرته ولكنه أمهلهم إعمالا لصفة الحلم. فالمشيئة هنا المشيئة الناشئة عن الاستحقاق، أي أنهم استحقوا أن يشاء الله إهلاكهم ولكنه أمهلهم، لا أصل المشيئة التي هي كونه مختارا في فعله لا مكره له لأنها لا يحتاج إلى الإعلام بها. والإذهاب مستعمل في الإهلاك، أي الإعدام من هذا العالم، أي إن يشأ يسلط عليهم موتا يعمهم فكأنه أذهبهم من مكان إلى مكان لأنه يأتي بهم إلى الدار الآخرة. والإتيان بخلق جديد مستعمل في إحداث ناس لم يكونوا موجودين ولا مترقبا وجودهم، أي يوجد خلقا من الناس يؤمنون بالله. فالخلق هنا بمعنى المخلوق مثل قوله تعالى: هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه [لقمان: 11] .

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/٢٨٦) ↗