سورة فاطر · الآية ١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يمدح الله تعالى نفسه الكريمة المقدسة، على خلقه السماوات والأرض، وما اشتملتا عليه من المخلوقات، لأن ذلك دليل على كمال قدرته، وسعة ملكه، وعموم رحمته، وبديع حكمته، وإحاطة علمه. ولما ذكر الخلق، ذكر بعده ما يتضمن الأمر، وهو: أنه { جاعل الملائكة رسلا } في تدبير أوامره القدرية، ووسائط بينه وبين خلقه، في تبليغ أوامره الدينية. وفي ذكره أنه جعل الملائكة رسلا، ولم يستثن منهم أحدا، دليل على كمال طاعتهم لربهم وانقيادهم لأمره، كما قال تعالى: لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون [التحريم: 6]. ولما كانت الملائكة مدبرات بإذن الله، ما جعلهم الله موكلين فيه، ذكر قوتهم على ذلك وسرعة سيرهم، بأن جعلهم { أولي أجنحة } تطير بها، فتسرع بتنفيذ ما أمرت به. { مثنى وثلاث ورباع } أي: منهم من له جناحان وثلاثة وأربعة، بحسب ما اقتضته حكمته. { يزيد في الخلق ما يشآء } أي: يزيد بعض مخلوقاته على بعض، في صفة خلقها، وفي القوة، وفي الحسن، وفي زيادة الأعضاء المعهودة، وفي حسن الأصوات، ولذة النغمات. { إن الله على كل شيء قدير } فقدرته تعالى تأتي على ما يشاؤه، ولا يستعصي عليها شيء، ومن ذلك، زيادة مخلوقاته بعضها على بعض. ثم ذكر انفراده تعالى بالتدبير والعطاء والمنع فقال: { ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك } من رحمته عنهم { فلا مرسل له من بعده } فهذا يوجب التعلق بالله تعالى، والافتقار إليه من جميع الوجوه، وأن لا يدعى إلا هو، ولا يخاف ويرجى، إلا هو. { وهو العزيز } الذي قهر الأشياء كلها { الحكيم } الذي يضع الأشياء مواضعها وينزلها منازلها.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: فاطر ١–٢) ↗التحرير والتنوير
وعلى إثبات صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به وأنه جاء به الرسل من قبله. وإثبات البعث والدار الآخرة. وتذكير الناس بإنعام الله عليهم بنعمة الإيجاد ونعمة الإمداد، وما يعبد المشركون من دونه لا يغنون عنهم شيئا وقد عبدهم الذين من قبلهم فلم يغنوا عنهم. وتثبيت النبيء صلى الله عليه وسلم على ما يلاقيه من قومه. وكشف نواياهم في الإعراض عن اتباع الإسلام لأنهم احتفظوا بعزتهم. وإنذارهم أن يحل بهم ما حل بالأمم المكذبة قبلهم. والثناء على الذين تلقوا الإسلام بالتصديق وبضد حال المكذبين. وتذكيرهم بأنهم كانوا يودون أن يرسل إليهم رسول فلما جاءهم رسول تكبروا واستنكفوا. وأنهم لا مفر لهم من حلول العذاب عليهم فقد شاهدوا آثار الأمم المكذبين من قبلهم، وأن لا يغتروا بإمهال الله إياهم فإن الله لا يخلف وعده. والتحذير من غرور الشيطان والتذكير بعداوته لنوع الإنسان. [1] 1] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير (1) افتتاحها ب الحمد لله مؤذن بأن صفات من عظمة الله ستذكر فيها، وإجراء صفات الأفعال على اسم الجلالة من خلقه السماوات والأرض وأفضل ما فيها من الملائكة والمرسلين مؤذن بأن السورة جاءت لإثبات التوحيد وتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم. وإيذان الحمد لله باستحقاق الله إياه دون غيره تقدم في أول سورة الفاتحة.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/٢٤٨) ↗