سورة سبأ · الآية ٦
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… وقال تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} وقوله: {ويرى (3) الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق} . هذه حكمة أخرى معطوفة على التي قبلها، وهي أن المؤمنين بما أنزل على الرسل إذا شاهدوا قيام الساعة ومجازاة الأبرار والفجار بالذي كانوا قد علموه من كتب الله في الدنيا رأوه حينئذ عين اليقين، ويقولون يومئذ أيضا: {لقد جاءت رسل ربنا بالحق} [الأعراف: 43] ، ويقال أيضا: {هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون} [يس:52] ، {لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث} [الروم:56] ، {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد} . العزيز هو: المنيع الجناب (4) ، الذي لا يغالب ولا يمانع، بل قد قهر كل شيء، الحميد في جميع أقواله وأفعاله وشرعه، وقدره، وهو المحمود في ذلك كله.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٤٩٥) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
عطفا به على قوله: يجزي، في قوله: {ليجزي الذين آمنوا} [يونس: 4] وعنى بالذين أوتوا العلم: مسلمة أهل الكتاب كعبد الله بن سلام، ونظرائه الذين قد قرؤوا كتب الله التي أنزلت قبل الفرقان، فقال تعالى ذكره: وليرى هؤلاء الذين أوتوا العلم بكتاب الله الذي هو التوراة، الكتاب الذي أنزل إليك يا محمد من ربك هو الحق PageEndV19P214 وقيل: عنى بالذين أوتوا العلم: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٢١٣) ↗التحرير والتنوير
و (معاجزين) مبالغة في معجزين، وهو تمثيل: شبهت حالهم في مكرهم بالنبيء صلى الله عليه وسلم بحال من يمشي مشيا سريعا ليسبق غيره ويعجزه. والعذاب: عذاب جهنم. والرجز: أسوأ العذاب وتقدم في قوله تعالى: فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون في سورة البقرة [59] . ومن بيانية فإن العذاب نفسه رجز. وقرأ الجمهور: معاجزين بصيغة المفاعلة تمثيلا لحال ظنهم النجاة والانفلات من تعذيب الله إياهم بإنكارهم البعث والرسالة بحال من يسابق غيره ويعاجزه، أي يحاول عجزه عن لحاقه. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وحده معجزين بصيغة اسم الفاعل من عجز بتشديد الجيم، ومعناه: مثبطين الناس عن اتباع آيات الله، أو معجزين من آمن بآيات الله بالطعن والجدال. وقرأ الجمهور: أليم بالجر صفة ل رجز. وقرأه ابن كثير وحفص ويعقوب بالرفع صفة ل عذاب، وهما سواء في المعنى. [6] ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد (6) عطف على ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات [سبأ: 4] وهو مقابل جزاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فالمراد بالذين سعوا في الآيات الذين كفروا، عدل عن جعل صلة اسم الموصول كفروا [سبأ: 3] لتصلح الجملة أن تكون تمهيدا لإبطال قول المشركين في الرسول صلى الله عليه وسلم أفترى على الله كذبا أم به جنة [سبأ: 8] ، لأن قولهم ذلك كناية عن بطلان ما جاءهم به من القرآن في زعمهم فكان جديرا بأن يمهد لإبطاله بشهادة أهل العلم بأن ما جاء به الرسول هو الحق دون غيره من باطل أهل الشرك الجاهلين، فعطف هذه الجملة من عطف الأغراض، وهذه طريقة في إبطال شبه أهل الضلالة والملاحدة بأن يقدم قبل ذكر الشبهة ما يقابلها من إبطالها، وربما سلك أهل الجدل طريقة أخرى هي تقديم الشبهة ثم الكرور عليها
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/١٤٤) ↗