سورة سبأ · الآية ٥٠
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… ووجد تلك الأصنام منصوبة حول الكعبة، جعل يطعن الصنم (2) بسية قوسه، ويقرأ: {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا} ، {قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد} . رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وحده عند هذه الآية، كلهم من حديث الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة، عن ابن مسعود، به (3) . أي: لم يبق للباطل مقالة ولا رياسة ولا كلمة. وزعم قتادة والسدي: أن المراد بالباطل ها هنا إبليس، إنه لا يخلق أحدا ولا يعيده، ولا يقدر على ذلك. وهذا وإن كان حقا ولكن ليس هو المراد هاهنا (4) والله أعلم. وقوله: {قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي} أي: الخير كله من عند الله، وفيما أنزله الله عز وجل من الوحي والحق المبين فيه الهدى والبيان والرشاد، ومن ضل فإنما يضل من تلقاء نفسه، كما قال عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، لما سئل عن تلك المسألة في المفوضة: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه. (5) وقوله: {إنه سميع قريب} أي: سميع لأقوال عباده، قريب مجيب دعوة الداعي إذا دعاه. وقد روى النسائي هاهنا حديث أبي موسى الذي في الصحيحين [أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال] (6) : "إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعا " (7) قريبا مجيبا". (8)
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٥٢٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
اهتديت} [سبأ: 50] يقول: وإن استقمت على الحق {فبما يوحي إلي ربي} [سبأ: 50] يقول: فبوحي الله الذي يوحي إلي، وتوفيقه للاستقامة على محجة الحق وطريق الهدى
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٣٠٨) ↗التحرير والتنوير
قد جاء بنزول القرآن ودعوة الإسلام. وعطف وما يبدئ الباطل وما يعيد على جاء الحق لأنه إذا جاء الحق انقشع الباطل من الموضع الذي حل فيه الحق. ويبدئ مضارع أبدأ بهمزة في أوله وهمزة في آخره والهمزة التي في أوله للزيادة مثل همزة: أجاء، وأسرى. وإسناد الإبداء والإعادة إلى الباطل مجاز عقلي أو استعارة. ومعنى ما يبدئ الباطل وما يعيد الكناية عن اضمحلاله وزواله وهو ما عبر عنه بالزهوق في قوله تعالى: إن الباطل كان زهوقا في سورة الإسراء [81] . وذلك أن الموجود الذي تكون له آثار إما أن تكون آثاره مستأنفة أو معادة فإذا لم يكن له إبداء ولا إعادة فهو معدوم وأصله مأخوذ من تصرف الحي فيكون ما يبدئ وما يعيد كناية عن الهلاك كما قال عبيد بن الأبرص: أفقر من أهله عبيد ... فاليوم لا يبدي ولا يعيد (يعني نفسه) . ويقولون أيضا: فلان ما يبدىء وما يعيد، أي ما يتكلم ببادئة ولا عائدة، أي لا يرتجل كلاما ولا يجيب عن كلام غيره. وأكثر ما يستعمل فعل (أبدأ) المهموز أوله مع فعل (أعاد) مزدوجين في إثبات أو نفي، وقد تقدم قوله تعالى: أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده في سورة العنكبوت [19] . [50] قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب (50) لما جرى ذكر الحق والباطل وكانوا يزعمون من مجموع أقوالهم أن النبيء عليه الصلاة والسلام غير صادق في دعوى الرسالة من الله كانت أقوالهم تقتضي زعمهم إياه على ضلال وكان الرد عليهم قاطعا بأنه على هدى بقوله: قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد [سبأ: 49] انتقل هنا إلى متاركة جدالهم وتركهم وشأنهم لقلة جدوى مراجعتهم. وهذا محضر خاص وطي بساط مجلس واحد، فلا يقتضي أنه يستمر على ترك
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/٢٣٩) ↗