سورة سبأ · الآية ٤٩
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقوله: { قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب} ، كقوله تعالى: {يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده} [غافر: 15] . أي: يرسل الملك إلى من يشاء من عباده من أهل الأرض، وهو علام الغيوب، فلا تخفى عليه خافية في السموات ولا في الأرض. وقوله: {قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد} أي: جاء الحق من الله والشرع العظيم، وذهب الباطل وزهق واضمحل، كقوله: {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه [فإذا هو زاهق (1) ] } [الأنبياء: 18] ، ولهذا لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد الحرام يوم الفتح، ووجد تلك الأصنام منصوبة حول الكعبة، جعل يطعن الصنم (2) بسية قوسه، ويقرأ: {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا} ، {قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد} . رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وحده عند هذه الآية، كلهم من حديث الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة، عن ابن مسعود، به (3) . أي: لم يبق للباطل مقالة ولا رياسة ولا كلمة. وزعم قتادة والسدي: أن المراد بالباطل ها هنا إبليس، إنه لا يخلق أحدا ولا يعيده، ولا يقدر على ذلك. وهذا وإن كان حقا ولكن ليس هو المراد هاهنا (4) والله أعلم. وقوله: {قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي} أي: الخير كله من عند الله، وفيما أنزله الله عز وجل من الوحي والحق المبين فيه الهدى والبيان والرشاد، ومن ضل فإنما يضل من تلقاء نفسه، كما قال عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، لما سئل عن تلك المسألة في المفوضة: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه. (5) وقوله: {إنه سميع قريب} أي: سميع لأقوال عباده، قريب مجيب دعوة الداعي إذا دعاه. وقد روى النسائي هاهنا حديث أبي موسى الذي في الصحيحين [أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال] (6) : "إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعا " …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٣٠٦) ↗التحرير والتنوير
بالحق من معنى: الناصر لي دونكم فماذا ينفعكم اعتزازكم بأموالكم وأولادكم وقوتكم. والقذف: إلقاء شيء من اليد، وأطلق على إظهار الحق قذف على سبيل الاستعارة، شبه إعلان الحق بإلقاء الحجر ونحوه. والمعنى: أن ربي يقذفكم بالحق. أو هو إشارة إلى قوله: بل نقذف بالحق على الباطل [الأنبياء: 18] وعلى كل فهو تعريض بالتهديد والتخويف من نصر الله المؤمنين على المشركين. وتخصيص وصف علام الغيوب من بين الأوصاف الإلهية للإشارة إلى أنه عالم بالنوايا، وأن القائل يعلم ذلك فالذي يعلم هذا لا يجترىء على الله بادعائه باطلا أنه أرسله إليكم، فالإعلام بهذه الصفة هنا يشبه استعمال الخبر في لازم فائدته وهو العلم بالحكم الخبري. ويجوز أن يكون معنى: يقذف بالحق يرسل الوحي، أي على من يشاء من عباده كقوله تعالى: يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده [غافر: 15] ويكون قوله علام الغيوب إشارة إلى أنه أعلم حيث يجعل رسالاته لأن المشركين كانوا يقولون: لولا أنزلت علينا الملائكة دون محمد. وارتفع علام على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هو علام الغيوب، أو على أنه نعت لاسم إن إما مقطوع، وإما لمراعاة محل اسم إن حيث إنها استوفت خبرها لأن حكم الصفة حكم عطف النسق عند أكثر النحاة وهو الحق. وقال الفراء: رفع الاسم في مثل هذا هو غالب كلام العرب. ومثله بالبدل في قوله تعالى: إن ذلك لحق تخاصم أهل النار [ص: 64] . وقرأ الجمهور الغيوب بضم الغين. وقرأه أبو بكر وحمزة والكسائي بكسر الغين كما جاء الوجهان في باء «بيوت» . [49] 49] قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد (49) أعيد فعل قل للاهتمام بالمقول كما تقدم آنفا. وجملة قل جاء الحق تأكيد لجملة قل إن ربي يقذف بالحق [سبأ: 48] فإن الحق
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/٢٣٨) ↗