سورة سبأ · الآية ٤٥
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
عليهم آياته بينات يسمعونها غضة طرية من لسان رسوله (1) صلى الله عليه وسلم، {قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم} ، يعنون أن دين آبائهم هو الحق، وأن ما جاءهم به الرسول عندهم باطل -عليهم وعلى آبائهم لعائن الله- {وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى} يعنون: القرآن، {وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين} . قال الله تعالى: {وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير} أي: ما أنزل الله على العرب من كتاب قبل القرآن، وما أرسل إليهم نبيا قبل محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كانوا يودون ذلك ويقولون: لو جاءنا نذير أو أنزل علينا كتاب، لكنا أهدى من غيرنا، فلما من الله عليهم بذلك كذبوه وعاندوه وجحدوه. ثم قال: {وكذب الذين من قبلهم} أي: من الأمم، {وما بلغوا معشار ما آتيناهم} قال ابن عباس: أي من القوة في الدنيا. وكذلك (2) قال قتادة، والسدي، وابن زيد. كما قال تعالى: {ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} [الأحقاف: 26] ، {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة} [غافر: 82] ، أي: وما دفع ذلك عنهم عذاب الله ولا رده، بل دمر الله عليهم لما كذبوا رسله؛ ولهذا قال: {فكذبوا رسلي فكيف كان نكير} أي: فكيف كان نكالي وعقابي وانتصاري لرسلي (3) ؟ يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء الكافرين الزاعمين أنك مجنون: {إنما أعظكم بواحدة} أي: إنما آمركم بواحدة، وهي: {أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة} أي: تقوموا قياما خالصا لله، من غير هوى ولا عصبية، فيسأل بعضكم بعضا: هل بمحمد من جنون؟ فينصح بعضكم بعضا، {ثم تتفكروا} أي: ينظر الرجل لنفسه في أمر محمد صلى الله عليه وسلم، ويسأل غيره من الناس عن شأنه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
هذا سحر مبين بما يقولون من ذلك كتبا يدرسونها: يقول: يقرؤونها
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٣٠١) ↗التحرير والتنوير
45] وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف كان نكير (45) هذا تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتهديد للذين كذبوه، فموقع التسلية منه قوله: وكذب الذين من قبلهم، وموقع التهديد بقية الآية، فالتسلية في أن له أسوة بالرسل السابقين، والتهديد. بتذكيرهم بالأمم السالفة التي كذبت رسلها وكيف عاقبهم الله على ذلك وكانوا أشد قوة من قريش وأعظم سطوة منهم وهذا كقوله تعالى: فأهلكنا أشد منهم بطشا [الزخرف: 8] . ومفعول كذب محذوف دل عليه ما بعده، أي كذبوا الرسل، دل عليه قوله: فكذبوا رسلي. وضمير بلغوا عائد إلى الذين من قبلهم، والضمير المنصوب في آتيناهم عائد إلى الذين كفروا في قوله: وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا سحر مبين [سبأ: 43] . والمقام يرد على كل ضمير إلى معاده، كما تقدم قريبا عند قوله تعالى: أكثرهم بهم مؤمنون [سبأ: 41] . والمعشار: العشر، وهو الجزء العاشر مثل المرباع الذي كان يجعل لقائد الكتبية من غنائم الجيش في الجاهلية. وذكر احتمالان آخران في معاد الضميرين من قوله: وما بلغوا معشار ما آتيناهم لا يستقيم معهما سياق الآية. وجملة وما بلغوا معشار ما آتيناهم معترضة، والاعتراض بها تمهيد للتهديد وتقريب له بأن عقاب هؤلاء أيسر من عقاب الذين من قبلهم في متعارف الناس مثل قوله تعالى: وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه [الروم: 27] . والفاء في قوله: فكذبوا رسلي للتفريع على قوله: وكذب الذين من قبلهم باعتبار أن المفرع عطف عليه قوله: فكيف كان نكير، وبذلك كانت جملة فكذبوا رسلي تأكيدا لجملة وكذب الذين من قبلهم ونظيره قوله تعالى: كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا في سورة القمر [9] ، ولكون الفاء
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/٢٢٩) ↗