سورة سبأ · الآية ٣٢
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
المحال تضلونا بها {وأسروا الندامة لما رأوا العذاب} أي: الجميع من السادة والأتباع، كل ندم على ما سلف منه. {وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا} : وهي السلاسل التي تجمع أيديهم مع أعناقهم، {هل يجزون إلا ما كانوا يعملون} (1) أي: إنما نجازيكم بأعمالكم (2) ، كل بحسبه، للقادة عذاب بحسبهم، وللأتباع بحسبهم {قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون} [الأعراف: 38] . قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا محمد بن سليمان (3) بن الأصبهاني، عن أبي سنان ضرار بن صرد، عن عبد الله بن أبي الهذيل (4) ، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن جهنم لما سيق إليها أهلها تلقاهم لهبها، ثم لفحتهم لفحة فلم يبق لحم (5) إلا سقط على العرقوب". (6) وحدثنا (7) أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحوارى، حدثنا الطيب أبو الحسن، عن الحسن بن يحيى الخشني قال: ما في جهنم دار ولا مغار ولا غل ولا سلسلة ولا قيد، إلا اسم صاحبها عليه مكتوب. قال: فحدثته أبا سليمان -يعني: الداراني، رحمة الله عليه (8) -فبكى ثم قال: ويحك. فكيف به لو جمع هذا كله عليه، فجعل القيد في رجليه، والغل في يديه والسلسلة في عنقه، ثم أدخل النار وأدخل المغار؟! يقول تعالى مسليا لنبيه، وآمرا له بالتأسي بمن قبله من الرسل، ومخبره بأنه ما بعث نبيا في قرية إلا كذبه (9) مترفوها، واتبعه ضعفاؤهم، كما قال قوم نوح: {أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} [الشعراء: 111] ، {وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي} [هود: 27] ، وقال الكبراء من قوم صالح: {للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٥٢٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
لهم: {لولا أنتم لكنا مؤمنين} [سبأ: 31] ، {أنحن صددناكم عن الهدى} [سبأ: 32] ومنعناكم من اتباع الحق {بعد إذ جاءكم} [سبأ: 32] من عند الله، يبين لكم {بل كنتم مجرمين} [سبأ: 32] فمنعكم إيثاركم الكفر بالله على الإيمان من اتباع الهدى والإيمان بالله ورسوله
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٢٩٠) ↗التحرير والتنوير
وقد جاء في هذه الآية ربط التعليق بضمير «الذين استكبروا» فاقتضى أن المستضعفين ادعوا أن وجود المستكبرين مانع لهم أن يكونوا مؤمنين. فاقتضى أن جميع أحوال المستكبرين كانت تدندن حول منعهم من الإيمان فكان وجودهم لا أثر له إلا في ذلك من انقطاعهم للسعي في ذلك المنع وهو ما دل عليه قولهم فيما بعد بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله [سبأ: 33] من فرط إلحاحهم عليهم بذلك وتكريره في معظم الأوقات، فكأنه استغرق وجودهم، لأن الوجود كون في أزمنة فكان قولهم هنا لولا أنتم مبالغة في شدة حرصهم على كفرهم. وهذا وجه وجيه في الاعتبار البلاغي فمقتضى الحال من هذه الآية هو حذف المشبه. واعلم أن المراد بقولهم: مؤمنين بالمعنى اللقبي الذي اشتهر به المسلمون فكذلك لا يقدر ل مؤمنين متعلق. [32] 32] قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين (32) جرد فعل قال عن العاطف لأنه جاء على طريقة المجاوبة والشأن فيه حكاية القول بدون عطف كما بيناه غير مرة. وهمزة الاستفهام مستعملة في الإنكار على قول المستضعفين تبرؤا منه. وهذا الإنكار بهتان وإنكار للواقع بعثه فيهم خوف إلقاء التبعة عليهم وفرط الغضب والحسرة من انتقاض أتباعهم عليهم وزوال حرمتهم بينهم فلم يتمالكوا أن لا يكذبوهم ويذيلوا بتوريطهم. وأتى بالمسند إليه قبل المسند الفعلي في سياق الاستفهام الإنكاري الذي هو في قوة النفي ليفيد تخصيص المسند إليه بالخبر الفعلي على طريقة: ما أنا قلت هذا. والمعنى: ما صددناكم ولكن صدكم شيء آخر وهو المعطوف ب بل التي للإبطال بقوله: بل كنتم مجرمين أي ثبت لكم الإجرام من قبل وإجرامكم هو الذي صدكم إذ لم تكونوا على مقاربة الإيمان فنصدكم عنه ولكنكم صددتم وأعرضتم بإجرامكم ولم تقبلوا دعوة الإيمان.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/٢٠٦) ↗