سورة سبأ · الآية ٢٢
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
فنزلت هذه الآية. وفي رواية عن ابن مسعود: كانوا يعبدون صنفا من الملائكة يقال لهم: الجن، فذكره. وقال السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب} قال: عيسى وأمه، وعزير. وقال مغيرة، عن إبراهيم: كان ابن عباس يقول في هذه الآية: هم عيسى، وعزير، والشمس، والقمر. وقال مجاهد: عيسى، والعزير، والملائكة. واختار ابن جرير قول ابن مسعود؛ لقوله: {يبتغون إلى ربهم الوسيلة} ، وهذا لا يعبر به (1) عن الماضي، فلا يدخل فيه عيسى والعزير. قال: والوسيلة هي القربة، كما قال قتادة؛ ولهذا قال: {أيهم أقرب} وقوله: {ويرجون رحمته ويخافون عذابه} : لا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء، فبالخوف ينكف (2) عن المناهي، وبالرجاء ينبعث على (3) الطاعات. وقوله: {إن عذاب ربك كان محذورا} أي: ينبغي أن يحذر منه، ويخاف من وقوعه وحصوله، عياذا بالله منه. هذا إخبار من الله عز وجل بأنه قد حتم وقضى بما قد كتبه عنده في اللوح المحفوظ: أنه ما من قرية إلا سيهلكها، بأن يبيد أهلها جميعهم أو يعذبهم {عذابا شديدا} إما بقتل أو ابتلاء بما يشاء، وإنما يكون ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم، كما قال عن الأمم الماضين: {وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم} [هود: 101] وقال تعالى: {وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا * فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا} [الطلاق: 7، 8] . قال سنيد، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير قال: قال المشركون: يا محمد، إنك تزعم أنه كان قبلك أنبياء، فمنهم من سخرت له الريح، ومنهم من كان يحيي الموتى، فإن سرك أن نؤمن بك ونصدقك، فادع ربك أن يكون لنا الصفا ذهبا. فأوحى الله إليه: "إني قد سمعت الذي
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٨٩) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
عند ضر ينزل بكم، فانظروا هل يقدرون على دفع ذلك عنكم، أو تحويله عنكم إلى غيركم، فتدعوهم آلهة، فإنهم لا يقدرون على ذلك، ولا يملكونه، وإنما يملكه ويقدر عليه خالقكم وخالقهم. وقيل: إن الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم هذا القول كانوا يعبدون الملائكة وعزيرا والمسيح، وبعضهم كانوا يعبدون نفرا من الجن
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٦٢٦) ↗التحرير والتنوير
21] ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين (20) وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شيء حفيظ (21) الأظهر أن هذا عطف على قوله: وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل [سبأ: 7] الآية وأن ما بينهما من الأخبار المسوقة للاعتبار كما تقدم واقع موقع الاستطراد والاعتراض فيكون ضمير عليهم عائدا إلى الذين كفروا من قوله: وقال الذين كفروا هل ندلكم الخ. والذي درج عليه المفسرون أن ضمير عليهم عائد إلى سبأ المتحدث عنهم. ولكن لا مفر من أن قوله تعالى بعد ذلك: قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله [سبأ: 22] الآيات هو عود إلى محاجة المشركين المنتقل منها بذكر قصة داود وسليمان وأهل سبأ. وصلوحية الآية للمحملين ناشئة من موقعها، وهذا من بلاغة القرآن المستفادة من ترتيب مواقع الآية. فالمقصود تنبيه المؤمنين إلى مكائد الشيطان وسوء عاقبة أتباعه ليحذروه ويستيقظوا لكيده فلا يقعوا في شرك وسوسته. فالمعنى: أن الشيطان سول للمشركين أو سول للممثل بهم حال المشركين الإشراك بالمنعم وحسن لهم ضد النعمة حتى تمنوه وتوسم فيهم الانخداع له فألقى إليهم وسوسته وكره إليهم نصائح الصالحين منهم فصدق توسمه فيهم أنهم يأخذون بدعوته فقبلوها وأعرضوا عن خلافها فاتبعوه. ففي قوله: صدق عليهم إبليس ظنه إيجاز حذف لأن صدق الظن المفرع عنه اتباعهم يقتضي أنه دعاهم إلى شيء ظانا استجابة دعوته إياهم. وقرأ الجمهور صدق بتخفيف الدال ف إبليس فاعل وظنه منصوب على نزع الخافض، أي في ظنه. وعليهم متعلق ب صدق لتضمينه معنى أوقع أو ألقى، أي أوقع عليهم ظنه فصدق فيه. والصدق بمعنى الإصابة في الظن لأن الإصابة مطابقة للواقع فهي من قبيل الصدق. قال أبو الغول الطهوي من شعراء الحماسة: فدت نفسي وما ملكت يميني ... فوارس صدقت فيهم ظنوني
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/١٨٢) ↗