سورة سبأ · الآية ٢١
﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ ۗ وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… شاكرين} [الأعراف: 17] والآيات في هذا كثيرة. وقال الحسن البصري: لما أهبط الله آدم من الجنة ومعه حواء، هبط (2) إبليس فرحا بما أصاب منهما، وقال: إذا أصبت من الأبوين ما أصبت، فالذرية أضعف وأضعف. وكان ذلك ظنا من إبليس، فأنزل الله عز وجل: {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين} فقال عند ذلك إبليس: "لا أفارق ابن آدم ما دام فيه الروح، أعده (3) وأمنيه وأخدعه". فقال الله: "وعزتي لا أحجب عنه التوبة ما لم يغرغر بالموت، ولا يدعوني إلا أجبته، ولا يسألني إلا أعطيته، ولا يستغفرني إلا غفرت له". رواه ابن أبي حاتم. وقوله: {وما كان له عليهم من سلطان} قال ابن عباس: أي من حجة. وقال الحسن البصري: والله ما ضربهم بعصا، ولا أكرههم على شيء، وما كان إلا غرورا وأماني دعاهم إليها فأجابوه. وقوله: {إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك} أي: إنما سلطناه عليهم ليظهر أمر من هو مؤمن بالآخرة وقيامها والحساب فيها والجزاء، فيحسن عبادة ربه عز وجل في الدنيا، ممن هو منها في شك. وقوله: {وربك على كل شيء حفيظ} أي: ومع حفظه ضل من ضل من اتباع إبليس، وبحفظه وكلاءته سلم من سلم من المؤمنين أتباع الرسل. بين (1) تعالى أنه الإله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لا نظير له ولا شريك له، بل هو المستقل بالأمر وحده، من غير مشارك ولا منازع ولا معارض، فقال: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله} أي: من الآلهة التي عبدت من دونه {لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض} ، كما قال تبارك وتعالى: {والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير} [فاطر: 13] . وقوله: {وما لهم فيهما من شرك} أي: لا يملكون شيئا استقلالا ولا على سبيل الشركة، {وما له منهم من ظهير} أي: وليس لله من (2) هذه الأنداد من ظهير يستظهر به في الأمور، بل
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٥١٣) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٢٧٠) ↗التحرير والتنوير
21] ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين (20) وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شيء حفيظ (21) الأظهر أن هذا عطف على قوله: وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل [سبأ: 7] الآية وأن ما بينهما من الأخبار المسوقة للاعتبار كما تقدم واقع موقع الاستطراد والاعتراض فيكون ضمير عليهم عائدا إلى الذين كفروا من قوله: وقال الذين كفروا هل ندلكم الخ. والذي درج عليه المفسرون أن ضمير عليهم عائد إلى سبأ المتحدث عنهم. ولكن لا مفر من أن قوله تعالى بعد ذلك: قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله [سبأ: 22] الآيات هو عود إلى محاجة المشركين المنتقل منها بذكر قصة داود وسليمان وأهل سبأ. وصلوحية الآية للمحملين ناشئة من موقعها، وهذا من بلاغة القرآن المستفادة من ترتيب مواقع الآية. فالمقصود تنبيه المؤمنين إلى مكائد الشيطان وسوء عاقبة أتباعه ليحذروه ويستيقظوا لكيده فلا يقعوا في شرك وسوسته. فالمعنى: أن الشيطان سول للمشركين أو سول للممثل بهم حال المشركين الإشراك بالمنعم وحسن لهم ضد النعمة حتى تمنوه وتوسم فيهم الانخداع له فألقى إليهم وسوسته وكره إليهم نصائح الصالحين منهم فصدق توسمه فيهم أنهم يأخذون بدعوته فقبلوها وأعرضوا عن خلافها فاتبعوه. ففي قوله: صدق عليهم إبليس ظنه إيجاز حذف لأن صدق الظن المفرع عنه اتباعهم يقتضي أنه دعاهم إلى شيء ظانا استجابة دعوته إياهم. وقرأ الجمهور صدق بتخفيف الدال ف إبليس فاعل وظنه منصوب على نزع الخافض، أي في ظنه. وعليهم متعلق ب صدق لتضمينه معنى أوقع أو ألقى، أي أوقع عليهم ظنه فصدق فيه. والصدق بمعنى الإصابة في الظن لأن الإصابة مطابقة للواقع فهي من قبيل الصدق. قال أبو الغول الطهوي من شعراء الحماسة: فدت نفسي وما ملكت يميني ... فوارس صدقت فيهم ظنوني
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/١٨٢) ↗