سورة سبأ · الآية ٢٠
﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال ابن عباس وغيره: هذه الآية كقوله تعالى إخبارا عن إبليس حين امتنع من السجود لآدم، ثم قال: {أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا} [الإسراء: 62] ، ثم قال: (1) {ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين} [الأعراف: 17] والآيات في هذا كثيرة. وقال الحسن البصري: لما أهبط الله آدم من الجنة ومعه حواء، هبط (2) إبليس فرحا بما أصاب منهما، وقال: إذا أصبت من الأبوين ما أصبت، فالذرية أضعف وأضعف. وكان ذلك ظنا من إبليس، فأنزل الله عز وجل: {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين} فقال عند ذلك إبليس: "لا أفارق ابن آدم ما دام فيه الروح، أعده (3) وأمنيه وأخدعه". فقال الله: "وعزتي لا أحجب عنه التوبة ما لم يغرغر بالموت، ولا يدعوني إلا أجبته، ولا يسألني إلا أعطيته، ولا يستغفرني إلا غفرت له". رواه ابن أبي حاتم. وقوله: {وما كان له عليهم من سلطان} قال ابن عباس: أي من حجة. وقال الحسن البصري: والله ما ضربهم بعصا، ولا أكرههم على شيء، وما كان إلا غرورا وأماني دعاهم إليها فأجابوه. وقوله: {إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك} أي: إنما سلطناه عليهم ليظهر أمر من هو مؤمن بالآخرة وقيامها والحساب فيها والجزاء، فيحسن عبادة ربه عز وجل في الدنيا، ممن هو منها في شك. وقوله: {وربك على كل شيء حفيظ} أي: ومع حفظه ضل من ضل من اتباع إبليس، وبحفظه وكلاءته سلم من سلم من المؤمنين أتباع الرسل. بين (1) تعالى أنه الإله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لا نظير له ولا شريك له، بل هو المستقل بالأمر وحده، من غير مشارك ولا منازع ولا معارض، فقال: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله} أي: من الآلهة التي عبدت من دونه {لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض} ، كما قال تبارك وتعالى: {والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير} [فاطر: 13] …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٢٦٨) ↗التحرير والتنوير
… الله، وفي هذا إيماء إلى بشارة النبيء صلى الله عليه وسلم بأنه بعد تكذيب قومه وضيق حاله منهم سيؤول شأنه إلى عزة عظيمة وتأسيس ملك أمة عظيمة كما آلت حال داود، وذلك الإيماء أوضح في قوله تعالى: اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب الآية في سورة ص [17] . وسمى الطيبي هذا الانتقال إلى ذكر داود وسليمان تخلصا، والوجه أن يسميه استطرادا أو اعتراضا وإن كان طويلا، فإن الرجوع إلى ذكر أحوال المشركين بعد ما ذكر من قصة داود وسليمان وسبأ يرشد إلى أن إبطال أحوال أهل الشرك هي المقصود من هذه السورة كما سننبه عليه عند قوله تعالى: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه [سبأ: 20] . وتقديم التعريف بداود عليه السلام عند قوله تعالى: وآتينا داود زبورا في سورة النساء [163] وعند قوله: ومن ذريته داود في سورة الأنعام [84] . و (من) في قوله: منا ابتدائية متعلقة ب آتينا، أي من لدنا ومن عندنا، وذلك تشريف للفضل الذي أوتيه داود، كقوله تعالى: رزقا من لدنا [القصص: 57] . وتنكير فضلا لتعظيمه وهو فضل النبوءة وفضل الملك، وفضل العناية بإصلاح الأمة، وفضل القضاء بالعدل، وفضل الشجاعة في الحرب، وفضل سعة النعمة عليه، وفضل إغنائه عن الناس بما ألهمه من صنع دروع
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/١٥٥) ↗