سورة سبأ · الآية ١٩
﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… مجاهد، والحسن، وسعيد بن جبير، ومالك عن زيد بن أسلم، وقتادة، والضحاك، والسدي، وابن زيد وغيرهم (1) : يعني: قرى الشام. يعنون أنهم كانوا يسيرون من اليمن إلى الشام في قرى ظاهرة متواصلة. وقال العوفي، عن ابن عباس: القرى التي باركنا فيها (2) : بيت المقدس. وقال العوفي، عنه أيضا: هي قرى عربية بين المدينة والشام. {قرى ظاهرة} أي: بينة واضحة، يعرفها المسافرون، يقيلون في واحدة، ويبيتون في أخرى؛ ولهذا قال: {وقدرنا فيها السير} أي: جعلناها بحسب ما يحتاج المسافرون إليه، {سيروا فيها ليالي وأياما آمنين} أي: الأمن حاصل لهم في سيرهم ليلا ونهارا. {فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم} ، وقرأ آخرون: "بعد بين أسفارنا "، وذلك أنهم بطروا هذه النعمة -كما قاله ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وغير واحد-وأحبوا مفاوز ومهامه يحتاجون في قطعها إلى الزاد والرواحل والسير في الحرور والمخاوف، كما طلب بنو إسرائيل من موسى أن يخرج الله لهم مما تنبت الأرض، من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها، مع أنهم كانوا في عيش رغيد في من وسلوى وما يشتهون من مآكل ومشارب وملابس مرتفعة؛ ولهذا قال لهم: {أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله} [البقرة: 61] ، وقال تعالى: {وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها} [القصص: 58] ، وقال تعالى: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون} [النحل: 112] . وقال في حق هؤلاء: {وظلموا (3) أنفسهم} أي: بكفرهم، {فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق} أي: جعلناهم حديثا للناس، وسمرا يتحدثون به من (4) خبرهم، وكيف مكر الله بهم، وفرق شملهم بعد الاجتماع والألفة والعيش الهنيء تفرقوا في البلاد هاهنا وهاهنا؛ ولهذا تقول العرب في القوم إذا تفرقوا: "تفرقوا أيدي …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الدعاء والمسألة بالألف؛ وقرأ ذلك بعض أهل مكة والبصرة: (بعد) بتشديد العين على الدعاء أيضا وذكر عن المتقدمين أنه كان يقرؤه: ربنا باعد بين أسفارنا على وجه الخبر من الله أن الله فعل ذلك بهم. وحكي عن آخر أنه قرأه: ربنا بعد على وجه الخبر أيضا غير أن الرب منادى
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٢٦٤) ↗التحرير والتنوير
ويقيلون، ويسيرون المساء فتعترضهم قرية يبيتون بها. فمعنى قوله: سيروا فيها ليالي وأياما: سيروا كيف شئتم. وتقديم الليالي على الأيام للاهتمام بها في مقام الامتنان لأن المسافرين أحوج إلى الأمن في الليل منهم إليه في النهار لأن الليل تعترضهم فيه القطاع والسباع. [19] فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (19) الفاء من قوله: فقالوا ربنا لتعقيب قولهم هذا إثر إتمام النعمة عليهم باقتراب المدن وتيسير الأسفار، والتعقيب في كل شيء بحسبه، فلما تمت النعمة بطروها فحلت بهم أسباب سلبها عنهم. ومن أكبر أسباب زوال النعمة كفرانها. قال الشيخ ابن عطاء الله الإسكندري «من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها ومن شكرها فقد قيدها بعقالها» . والأظهر عندي أن يكون هذا القول قالوه جوابا عن مواعظ أنبيائهم والصالحين منهم حين ينهونهم عن الشرك فهم يعظونهم بأن الله أنعم عليهم بتلك الرفاهية وهم يجيبون بهذا القول إفحاما لدعاة الخير منهم على نحو قول كفار قريش: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم [الأنفال: 32] ، قبل هذا «فأعرضوا فإن الإعراض يقتضي دعوة لشيء» ويفيد هذا المعنى قوة وظلموا أنفسهم عقب حكاية قولهم، فإنه إما معطوف على جملة فقالوا، أي فأعقبوا ذلك بكفران النعمة وبالإشراك، فإن ظلم النفس أطلق كثيرا على الإشراك في القرآن وما الإشراك إلا أعظم كفران نعمة الخالق. ويجوز أن تكون جملة وظلموا أنفسهم في موضع الحال، والواو واو الحال، أي قالوا ذلك وقد ظلموا أنفسهم بالشرك فكان قولهم مقارنا للإشراك. وعلى الاعتبارين فإن العقاب إنما كان مسببا بسببين كما هو صريح قوله:
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/١٧٦) ↗