سورة سبأ · الآية ١٨
﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ ۖ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
إن مسافرهم لا يحتاج إلى حمل زاد ولا ماء، بل حيث نزل وجد ماء وثمرا، ويقيل في قرية ويبيت في أخرى، بمقدار ما يحتاجون إليه في سيرهم؛ ولهذا قال تعالى: {وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها} ، قال وهب بن منبه: هي قرى بصنعاء. وكذا قال أبو مالك. وقال مجاهد، والحسن، وسعيد بن جبير، ومالك عن زيد بن أسلم، وقتادة، والضحاك، والسدي، وابن زيد وغيرهم (1) : يعني: قرى الشام. يعنون أنهم كانوا يسيرون من اليمن إلى الشام في قرى ظاهرة متواصلة. وقال العوفي، عن ابن عباس: القرى التي باركنا فيها (2) : بيت المقدس. وقال العوفي، عنه أيضا: هي قرى عربية بين المدينة والشام. {قرى ظاهرة} أي: بينة واضحة، يعرفها المسافرون، يقيلون في واحدة، ويبيتون في أخرى؛ ولهذا قال: {وقدرنا فيها السير} أي: جعلناها بحسب ما يحتاج المسافرون إليه، {سيروا فيها ليالي وأياما آمنين} أي: الأمن حاصل لهم في سيرهم ليلا ونهارا. {فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم} ، وقرأ آخرون: "بعد بين أسفارنا "، وذلك أنهم بطروا هذه النعمة -كما قاله ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وغير واحد-وأحبوا مفاوز ومهامه يحتاجون في قطعها إلى الزاد والرواحل والسير في الحرور والمخاوف، كما طلب بنو إسرائيل من موسى أن يخرج الله لهم مما تنبت الأرض، من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها، مع أنهم كانوا في عيش رغيد في من وسلوى وما يشتهون من مآكل ومشارب وملابس مرتفعة؛ ولهذا قال لهم: {أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله} [البقرة: 61] ، وقال تعالى: {وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها} [القصص: 58] ، وقال تعالى: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون} [النحل: 112] . وقال في حق هؤلاء: {وظلموا (3) أنفسهم} أي: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
فيها وهي الشام، قرى ظاهرة وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٢٦٠) ↗التحرير والتنوير
كلها مندفعة بما في اسم الإشارة من بيان نوع الجزاء، فإن الاستئصال ونحوه لا يجري على المؤمنين. وقرأ الجمهور يجازى بياء الغائب والبناء للمجهول ورفع الكفور. وقرأ حمزة والكسائي بنون العظمة والبناء للفاعل ونصب الكفور. [18] 18] وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين (18) تكملة القصة بذكر نعمة بعد نعمة فإن ما تقدم لنعمة الرخاء والبهجة وطيب الإقامة، وما هنا لنعمة الأمن وتيسير الأسفار وعمران بلادهم. والمراد بالقرى التي بوركت قرى بلاد الشام فكانوا إذا خرجوا من مأرب إلى البلاد الشامية قوافل للتجارة وبيع الطعام سلكوا طريق تهامة ثم الحجاز ثم مشارف الشام ثم بلاد الشام، فكانوا كلما ساروا مرحلة وجدوا قرية أو بلدا أو دارا للاستراحة واستراحوا وتزودوا. فكانوا من أجل ذلك لا يحملون معهم أزوادا إذا خرجوا من مأرب. وهذه القرى الظاهرة يحتمل أنها تكونت من عمل الناس القاطنين حفافي الطريق السابلة بين مأرب وجلق قصد استجلاب الانتفاع بنزول القوافل بينهم وابتياع الأزواد منهم وإيصال ما تحتاجه تلك القرى من السلع والثمار وهذه طبيعة العمران. ويحتمل أن سبأ أقاموا مباني يأوون إليها عند كل مرحلة من مراحل أسفارهم واستنبطوا فيها الآبار والمصانع وأوكلوا بها من يحفظها ويكون لائذا بهم عند نزولهم. فيكون ذلك من جملة ما وطد لهم ملوكهم من أسباب الحضارة والأمن على القوافل، وقد تكون إقامة هاته المنازل مجلبة لمن يقطنون حولها ممن يرغب في المعاملة مع القافلة عند مرورها. وعلى الاحتمالين فإسناد جعل تلك القرى إلى الله تعالى لأنه الملهم الناس والملوك
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/١٧٤) ↗