سورة الأحزاب · الآية ٢٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ قل } لهم، لائما على فرارهم، ومخبرا أنهم لا يفيدهم ذلك شيئا { لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل } فلو كنتم في بيوتكم، لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم. والأسباب تنفع، إذا لم يعارضها القضاء والقدر، فإذا جاء القضاء والقدر، تلاشى كل سبب، وبطلت كل وسيلة ظنها الإنسان تنجيه. { وإذا } حين فررتم لتسلموا من الموت والقتل، ولتنعموا في الدنيا فإنكم { لا تمتعون إلا قليلا } متاعا لا يسوى فراركم، وترككم أمر الله، وتفويتكم على أنفسكم التمتع الأبدي، في النعيم السرمدي. ثم بين أن الأسباب كلها لا تغني عن العبد شيئا إذا أراده الله بسوء، فقال: { قل من ذا الذي يعصمكم } أي: يمنعكم { من الله إن أراد بكم سوءا } أي: شرا، { أو أراد بكم رحمة } فإنه هو المعطي المانع، الضار النافع، الذي لا يأتي بالخير إلا هو، ولا يدفع السوء إلا هو. { ولا يجدون لهم من دون الله وليا } يتولاهم، فيجلب لهم النفع { ولا نصيرا } أي: ينصرهم، فيدفع عنهم المضار. فليمتثلوا طاعة المنفرد بالأمور كلها، الذي نفذت مشيئته، ومضى قدره، ولم ينفع مع ترك ولايته ونصرته، ولي ولا ناصر. ثم توعد تعالى المخذلين المعوقين، وتهددهم فقال: { قد يعلم الله المعوقين منكم } عن الخروج لمن [لم] يخرجوا { والقآئلين لإخوانهم } الذين خرجوا: { هلم إلينا } أي: ارجعوا، كما تقدم من قولهم: يأهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا [الأحزاب: 13]. وهم مع تعويقهم وتخذيلهم { ولا يأتون البأس } القتال والجهاد بأنفسهم { إلا قليلا } فهم أشد الناس حرصا على التخلف، لعدم الداعي لذلك من الإيمان والصبر، ووجود المقتضى للجبن، من النفاق وعدم الإيمان. { أشحة عليكم } بأبدانهم عند القتال، وبأموالهم عند النفقة فيه، فلا يجاهدون بأموالهم وأنفسهم. { فإذا جآء الخوف رأيتهم ينظرون إليك } نظر المغشى عليه { من الموت } من شدة الجبن، الذي خلع قلوبهم، والقلق الذي أذهلهم، وخوفا من إجبارهم على ما …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
انفرد به البخاري دون مسلم. وأخرجه أحمد في مسنده، والترمذي والنسائي -في التفسير من سننيهما -من حديث الزهري، به (1) . وقال الترمذي: "حسن صحيح". وقال (2) البخاري أيضا: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثني أبي، عن ثمامة، عن أنس بن مالك قال: نرى هذه الآية نزلت في أنس بن النضر: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} (3) . انفرد به البخاري من هذا الوجه، ولكن له شواهد من طرق آخر. قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت (4) قال: قال أنس: عمي أنس بن النضر سميت به، لم يشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، فشق عليه وقال: أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غيبت (5) عنه، لئن أراني الله مشهدا فيما بعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرين الله ما أصنع. قال: فهاب أن يقول غيرها، فشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم [يوم] (6) أحد، فاستقبل سعد بن معاذ فقال له أنس (7) يا أبا عمرو، أبن. واها لريح الجنة أجده دون أحد، قال: فقاتلهم حتى قتل قال: فوجد في جسده بضع وثمانون من ضربة وطعنة ورمية، فقالت أخته -عمتي الربيع ابنة النضر (8) -: فما عرفت أخي إلا ببنانه. قال: فنزلت هذه الآية: {رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} . قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه، وفي أصحابه. ورواه مسلم والترمذي والنسائي، من حديث سليمان بن المغيرة، به (9) . ورواه النسائي أيضا وابن جرير، من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، به نحوه (10) . وقال (11) ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حميد، عن أنس أن عمه -يعني: أنس بن النضر -غاب عن قتال بدر، فقال: غيبت عن أول قتال قاتله رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين، لئن الله أشهدني قتالا للمشركين، ليرين الله ما أصنع. قال: فلما كان يوم أحد انكشف …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ورسوله {رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} [الأحزاب: 23] يقول: أوفوا بما عاهدوه عليه من الصبر على البأساء والضراء، وحين البأس {فمنهم من قضى نحبه} [الأحزاب: 23] يقول: فمنهم من فرغ من العمل الذي كان نذره الله وأوجبه له على نفسه، فاستشهد بعض يوم بدر وبعض يوم أحد وبعض في غير ذلك من المواطن {ومنهم من ينتظر} [الأحزاب: 23] قضاءه والفراغ منه، كما قضى من مضى منهم على الوفاء لله بعهده، والنصر من الله، والظفر على عدوه. والنحب: النذر في كلام العرب. وللنحب أيضا في كلامهم وجوه غير ذلك، منها الموت، كما قال الشاعر: [البحر الطويل] قضى نحبه في ملتقى القوم هوبر
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٦١) ↗التحرير والتنوير
من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه إلى قوله تبديلا [الأحزاب: 23] . وافتقد الآيتين من آخر سورة براءة فوجدهما عند أبي خزيمة بن أوس- المشتهر بكنيته-. وبعد فخبر أبي بن كعب خبر غريب لم يؤثر عن أحد من أصحاب رسول الله فنوقن بأنه دخله وهم من بعض رواته. وهو أيضا خبر آحاد لا ينتقض به إجماع الأمة على المقدار الموجود من هذه السورة متواترا. وفي «الكشاف» : وأما ما يحكى أن تلك الزيادة التي رويت عن عائشة كانت مكتوبة في صحيفة في بيت عائشة فأكلتها الداجن، أي الشاة، فمن تأليفات الملاحدة والروافض اه. ووضع هذا الخبر ظاهر مكشوف فإنه لو صدق هذا لكانت هذه الصحيفة قد هلكت في زمن النبيء صلى الله عليه وسلم أو بعده والصحابة متوافرون وحفاظ القرآن كثيرون فلو تلفت هذه الصحيفة لم يتلف ما فيها من صدور الحفاظ. وكون القرآن قد تلاشى منه كثير هو أصل من أصول الروافض ليطعنوا به في الخلفاء الثلاثة، والرافضة يزعمون أن القرآن مستودع عند الإمام المنتظر فهو الذي يأتي بالقرآن وقر بعير. وقد استوعب قولهم واستوفى إبطاله أبو بكر بن العربي في كتاب «العواصم من القواصم» . لكثير من آيات هذه السورة أسباب لنزولها، وأكثرها نزل للرد على المنافقين أقوالا قصدوا بها أذى النبيء صلى الله عليه وسلم. وأهم أغراضها: الرد عليهم قولهم لما تزوج النبيء صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش بعد أن طلقها زيد بن حارثة فقالوا: تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عن ذلك، فأنزل الله تعالى إبطال التبني. وأن الحق في أحكام الله لأنه الخبير بالأعمال وهو الذي يقول الحق.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/٢٤٧) ↗