سورة الأحزاب · الآية ٢٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ قل } لهم، لائما على فرارهم، ومخبرا أنهم لا يفيدهم ذلك شيئا { لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل } فلو كنتم في بيوتكم، لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم. والأسباب تنفع، إذا لم يعارضها القضاء والقدر، فإذا جاء القضاء والقدر، تلاشى كل سبب، وبطلت كل وسيلة ظنها الإنسان تنجيه. { وإذا } حين فررتم لتسلموا من الموت والقتل، ولتنعموا في الدنيا فإنكم { لا تمتعون إلا قليلا } متاعا لا يسوى فراركم، وترككم أمر الله، وتفويتكم على أنفسكم التمتع الأبدي، في النعيم السرمدي. ثم بين أن الأسباب كلها لا تغني عن العبد شيئا إذا أراده الله بسوء، فقال: { قل من ذا الذي يعصمكم } أي: يمنعكم { من الله إن أراد بكم سوءا } أي: شرا، { أو أراد بكم رحمة } فإنه هو المعطي المانع، الضار النافع، الذي لا يأتي بالخير إلا هو، ولا يدفع السوء إلا هو. { ولا يجدون لهم من دون الله وليا } يتولاهم، فيجلب لهم النفع { ولا نصيرا } أي: ينصرهم، فيدفع عنهم المضار. فليمتثلوا طاعة المنفرد بالأمور كلها، الذي نفذت مشيئته، ومضى قدره، ولم ينفع مع ترك ولايته ونصرته، ولي ولا ناصر. ثم توعد تعالى المخذلين المعوقين، وتهددهم فقال: { قد يعلم الله المعوقين منكم } عن الخروج لمن [لم] يخرجوا { والقآئلين لإخوانهم } الذين خرجوا: { هلم إلينا } أي: ارجعوا، كما تقدم من قولهم: يأهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا [الأحزاب: 13]. وهم مع تعويقهم وتخذيلهم { ولا يأتون البأس } القتال والجهاد بأنفسهم { إلا قليلا } فهم أشد الناس حرصا على التخلف، لعدم الداعي لذلك من الإيمان والصبر، ووجود المقتضى للجبن، من النفاق وعدم الإيمان. { أشحة عليكم } بأبدانهم عند القتال، وبأموالهم عند النفقة فيه، فلا يجاهدون بأموالهم وأنفسهم. { فإذا جآء الخوف رأيتهم ينظرون إليك } نظر المغشى عليه { من الموت } من شدة الجبن، الذي خلع قلوبهم، والقلق الذي أذهلهم، وخوفا من إجبارهم على ما …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
الدنيا والآخرة، فقال: {ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله} . قال ابن عباس وقتادة: يعنون قوله تعالى في "سورة البقرة" {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب} [البقرة: 214] . أي هذا ما وعدنا الله ورسوله من الابتلاء والاختبار والامتحان الذي يعقبه النصر القريب؛ ولهذا قال: {وصدق الله ورسوله} . وقوله: {وما زادهم إلا إيمانا وتسليما} : دليل على زيادة الإيمان وقوته بالنسبة إلى الناس (1) وأحوالهم، كما قاله جمهور الأئمة: إنه (2) يزيد وينقص. وقد قررنا ذلك في أول "شرح البخاري" ولله الحمد والمنة. ومعنى قوله: {وما زادهم} أي: ذلك الحال والضيق والشدة [ما زادهم] (3) {إلا إيمانا} بالله، {وتسليما} أي: انقيادا لأوامره، وطاعة لرسوله. لما ذكر عن المنافقين أنهم نقضوا العهد الذي كانوا عاهدوا الله عليه لا يولون الأدبار، وصف المؤمنين بأنهم استمروا على العهد والميثاق و {صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه} ، قال بعضهم: أجله. وقال البخاري: عهده. وهو يرجع إلى الأول. {ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} أي: وما غيروا عهد الله، ولا نقضوه ولا بدلوه. قال البخاري: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه (1) قال: لما نسخنا الصحف (2) ، فقدت آية من "سورة الأحزاب" كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها، لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري -الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادة رجلين -: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه}
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٣٩٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ذلك عامة قراء الأمصار: (إسوة) بكسر الألف، خلا عاصم بن أبي النجود، فإنه قرأه بالضم: {أسوة} [الأحزاب: 21] وكان يحيى بن وثاب يقرأ هذه بالكسر، ويقرأ قوله {لقد كان لكم فيهم أسوة} [الممتحنة: 6] بالضم، وهما لغتان. وذكر أن الكسر في أهل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٥٨) ↗