البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الأحزاب · الآية ١٦

﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

{ قل } لهم، لائما على فرارهم، ومخبرا أنهم لا يفيدهم ذلك شيئا { لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل } فلو كنتم في بيوتكم، لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم. والأسباب تنفع، إذا لم يعارضها القضاء والقدر، فإذا جاء القضاء والقدر، تلاشى كل سبب، وبطلت كل وسيلة ظنها الإنسان تنجيه. { وإذا } حين فررتم لتسلموا من الموت والقتل، ولتنعموا في الدنيا فإنكم { لا تمتعون إلا قليلا } متاعا لا يسوى فراركم، وترككم أمر الله، وتفويتكم على أنفسكم التمتع الأبدي، في النعيم السرمدي. ثم بين أن الأسباب كلها لا تغني عن العبد شيئا إذا أراده الله بسوء، فقال: { قل من ذا الذي يعصمكم } أي: يمنعكم { من الله إن أراد بكم سوءا } أي: شرا، { أو أراد بكم رحمة } فإنه هو المعطي المانع، الضار النافع، الذي لا يأتي بالخير إلا هو، ولا يدفع السوء إلا هو. { ولا يجدون لهم من دون الله وليا } يتولاهم، فيجلب لهم النفع { ولا نصيرا } أي: ينصرهم، فيدفع عنهم المضار. فليمتثلوا طاعة المنفرد بالأمور كلها، الذي نفذت مشيئته، ومضى قدره، ولم ينفع مع ترك ولايته ونصرته، ولي ولا ناصر. ثم توعد تعالى المخذلين المعوقين، وتهددهم فقال: { قد يعلم الله المعوقين منكم } عن الخروج لمن [لم] يخرجوا { والقآئلين لإخوانهم } الذين خرجوا: { هلم إلينا } أي: ارجعوا، كما تقدم من قولهم: يأهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا [الأحزاب: 13]. وهم مع تعويقهم وتخذيلهم { ولا يأتون البأس } القتال والجهاد بأنفسهم { إلا قليلا } فهم أشد الناس حرصا على التخلف، لعدم الداعي لذلك من الإيمان والصبر، ووجود المقتضى للجبن، من النفاق وعدم الإيمان. { أشحة عليكم } بأبدانهم عند القتال، وبأموالهم عند النفقة فيه، فلا يجاهدون بأموالهم وأنفسهم. { فإذا جآء الخوف رأيتهم ينظرون إليك } نظر المغشى عليه { من الموت } من شدة الجبن، الذي خلع قلوبهم، والقلق الذي أذهلهم، وخوفا من إجبارهم على ما …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

دخل عليهم الأعداء من كل جانب من جوانب المدينة، وقطر من أقطارها، ثم سئلوا الفتنة، وهي الدخول في الكفر، لكفروا سريعا، وهم لا يحافظون على الإيمان، ولا يستمسكون به مع أدنى خوف وفزع. هكذا فسرها قتادة، وعبد الرحمن بن زيد، وابن جرير، وهذا ذم لهم في غاية الذم. ثم قال تعالى يذكرهم بما كانوا عاهدوا الله من قبل هذا الخوف، ألا يولوا الأدبار ولا يفروا (1) من الزحف، {وكان عهد الله مسئولا} أي: وإن الله تعالى سيسألهم عن ذلك العهد، لا بد من ذلك. ثم أخبرهم أن فرارهم ذلك لا يؤخر آجالهم، ولا يطول أعمارهم، بل ربما كان ذلك سببا في تعجيل أخذهم غرة؛ ولهذا قال: {وإذا لا تمتعون إلا قليلا} أي: بعد هربكم وفراركم، {قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى} [النساء: 77] . ثم قال: {قل من ذا الذي يعصمكم من الله} أي: يمنعكم، {إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا} أي: ليس لهم ولا لغيرهم من دون الله مجير ولا مغيث (2) . يخبر تعالى عن إحاطة علمه بالمعوقين لغيرهم عن شهود الحرب، والقائلين لإخوانهم، أي: أصحابهم (3) وعشرائهم وخلطائهم {هلم إلينا} أي: إلى ما نحن فيه من الإقامة في الظلال والثمار، وهم مع ذلك {لا يأتون البأس إلا قليلا. أشحة عليكم} أي: بخلاء بالمودة، والشفقة عليكم. وقال السدي: {أشحة عليكم} أي: في الغنائم. {فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت} أي: من شدة خوفه وجزعه، وهكذا خوف هؤلاء الجبناء من القتال {فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد} أي: فإذا كان الأمن، تكلموا كلاما بليغا فصيحا عاليا، وادعوا لأنفسهم المقامات العالية في الشجاعة والنجدة، وهم يكذبون في ذلك. وقال ابن عباس: {سلقوكم (4) } أي: استقبلوكم.

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٣٩٠) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

الموت أو القتل} [الأحزاب: 16] يقول: لأن ذلك أو ما كتب الله منهما واصل إليكم بكل حال كرهتم أو أحببتم {وإذا لا تمتعون إلا قليلا} [الأحزاب: 16] يقول: وإذا فررتم من الموت أو القتل لم يزد فراركم ذلك في أعماركم وآجالكم، بل إنما تمتعون في هذه الدنيا إلى الوقت الذي كتب لكم، ثم يأتيكم ما كتب لكم وعليكم. PageEndV19P048 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٤٧) ↗

التحرير والتنوير

16] قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا (16) جواب عن قولهم إن بيوتنا عورة [الأحزاب: 13] ولذلك فصلت لأنها جرت على أسلوب التقاول والتجاوب، وما بين الجملتين من قوله ولو دخلت عليهم إلى قوله مسؤلا [الأحزاب: 14- 15] اعتراض كما تقدم. وهذا يرجح أن النبيء صلى الله عليه وسلم لم يأذن لهم بالرجوع إلى المدينة وأنه رد عليهم بما أمره الله أن يقوله لهم، أي: قد علم الله أنكم ما أردتم إلا الفرار جبنا والفرار لا يدفع عنكم الموت أو القتل، فمعنى نفي نفعه: نفي ما يقصد منه لأن نفع الشيء هو أن يحصل منه ما يقصد له. فقوله من الموت يتعلق ب الفرار وفررتم وليس متعلقا ب ينفعكم لأن متعلق ينفعكم غير مذكور لظهوره من السياق، فالفائدة مستغنية عن المتعلق، أي: لن ينفعكم بالنجاة. ومعنى نفي نفع الفرار وإن كان فيه تعاطي سبب النجاة، هذا السبب غير مأذون فيه لوجوب الثبات في وجه العدو مع النبيء صلى الله عليه وسلم فيتمحض في هذا الفرار مراعاة جانب الحقيقة وهو ما قدر للإنسان من الله إذ لا معارض له، فلو كان الفرار مأذونا فيه لجاز مراعاة ما فيه من أسباب النجاة فقد كان المسلمون مأمورين بثبات الواحد للعشرة من العدو فكان حينئذ الفرار من وجه عشرة أضعاف المسلمين غير مأذون فيه وأذن فيما زاد على ذلك، ولما نسخ الله ذلك بأن يثبت المسلمون لضعف عددهم من العدو فالفرار فيما زاد على ذلك مأذون فيه، وكذلك إذا كان المسلمون زحفا فإن الفرار حرام ساعتئذ. وأحسب أن الأمر في غزوة الخندق كان قبل النسخ فلذلك وبخ الله الذين أضمروا الفرار فإن عدد جيش الأحزاب يومئذ كان بمقدار أربعة أمثال جيش المسلمون ولم يكن المسلمون يومئذ زحفا فإن الحالة حالة حصار. ويجوز أن يكون المعنى أيضا: أنكم إن فررتم فنجوتم من القتل لا ينفعكم الفرار من الموت بالأجل وعسى أن تكون آجالكم قريبة.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/٢٩٠) ↗