سورة الأحزاب · الآية ١٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ قل } لهم، لائما على فرارهم، ومخبرا أنهم لا يفيدهم ذلك شيئا { لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل } فلو كنتم في بيوتكم، لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم. والأسباب تنفع، إذا لم يعارضها القضاء والقدر، فإذا جاء القضاء والقدر، تلاشى كل سبب، وبطلت كل وسيلة ظنها الإنسان تنجيه. { وإذا } حين فررتم لتسلموا من الموت والقتل، ولتنعموا في الدنيا فإنكم { لا تمتعون إلا قليلا } متاعا لا يسوى فراركم، وترككم أمر الله، وتفويتكم على أنفسكم التمتع الأبدي، في النعيم السرمدي. ثم بين أن الأسباب كلها لا تغني عن العبد شيئا إذا أراده الله بسوء، فقال: { قل من ذا الذي يعصمكم } أي: يمنعكم { من الله إن أراد بكم سوءا } أي: شرا، { أو أراد بكم رحمة } فإنه هو المعطي المانع، الضار النافع، الذي لا يأتي بالخير إلا هو، ولا يدفع السوء إلا هو. { ولا يجدون لهم من دون الله وليا } يتولاهم، فيجلب لهم النفع { ولا نصيرا } أي: ينصرهم، فيدفع عنهم المضار. فليمتثلوا طاعة المنفرد بالأمور كلها، الذي نفذت مشيئته، ومضى قدره، ولم ينفع مع ترك ولايته ونصرته، ولي ولا ناصر. ثم توعد تعالى المخذلين المعوقين، وتهددهم فقال: { قد يعلم الله المعوقين منكم } عن الخروج لمن [لم] يخرجوا { والقآئلين لإخوانهم } الذين خرجوا: { هلم إلينا } أي: ارجعوا، كما تقدم من قولهم: يأهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا [الأحزاب: 13]. وهم مع تعويقهم وتخذيلهم { ولا يأتون البأس } القتال والجهاد بأنفسهم { إلا قليلا } فهم أشد الناس حرصا على التخلف، لعدم الداعي لذلك من الإيمان والصبر، ووجود المقتضى للجبن، من النفاق وعدم الإيمان. { أشحة عليكم } بأبدانهم عند القتال، وبأموالهم عند النفقة فيه، فلا يجاهدون بأموالهم وأنفسهم. { فإذا جآء الخوف رأيتهم ينظرون إليك } نظر المغشى عليه { من الموت } من شدة الجبن، الذي خلع قلوبهم، والقلق الذي أذهلهم، وخوفا من إجبارهم على ما …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
دخل عليهم الأعداء من كل جانب من جوانب المدينة، وقطر من أقطارها، ثم سئلوا الفتنة، وهي الدخول في الكفر، لكفروا سريعا، وهم لا يحافظون على الإيمان، ولا يستمسكون به مع أدنى خوف وفزع. هكذا فسرها قتادة، وعبد الرحمن بن زيد، وابن جرير، وهذا ذم لهم في غاية الذم. ثم قال تعالى يذكرهم بما كانوا عاهدوا الله من قبل هذا الخوف، ألا يولوا الأدبار ولا يفروا (1) من الزحف، {وكان عهد الله مسئولا} أي: وإن الله تعالى سيسألهم عن ذلك العهد، لا بد من ذلك. ثم أخبرهم أن فرارهم ذلك لا يؤخر آجالهم، ولا يطول أعمارهم، بل ربما كان ذلك سببا في تعجيل أخذهم غرة؛ ولهذا قال: {وإذا لا تمتعون إلا قليلا} أي: بعد هربكم وفراركم، {قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى} [النساء: 77] . ثم قال: {قل من ذا الذي يعصمكم من الله} أي: يمنعكم، {إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا} أي: ليس لهم ولا لغيرهم من دون الله مجير ولا مغيث (2) . يخبر تعالى عن إحاطة علمه بالمعوقين لغيرهم عن شهود الحرب، والقائلين لإخوانهم، أي: أصحابهم (3) وعشرائهم وخلطائهم {هلم إلينا} أي: إلى ما نحن فيه من الإقامة في الظلال والثمار، وهم مع ذلك {لا يأتون البأس إلا قليلا. أشحة عليكم} أي: بخلاء بالمودة، والشفقة عليكم. وقال السدي: {أشحة عليكم} أي: في الغنائم. {فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت} أي: من شدة خوفه وجزعه، وهكذا خوف هؤلاء الجبناء من القتال {فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد} أي: فإذا كان الأمن، تكلموا كلاما بليغا فصيحا عاليا، وادعوا لأنفسهم المقامات العالية في الشجاعة والنجدة، وهم يكذبون في ذلك. وقال ابن عباس: {سلقوكم (4) } أي: استقبلوكم.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٣٩٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وسلامة؟ وهل ما يكون بكم في أنفسكم من سوء أو رحمة إلا من قبله؟ كما: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثني يزيد بن رومان، " {قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة} [الأحزاب: 17] أي أنه ليس الأمر إلا ما قضيت "
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٤٩) ↗التحرير والتنوير
والموت، أريد به: الموت الزؤام وهو الموت حتف أنفه لأنه قوبل بالقتل. والمعنى: أن الفرار لا يدفع الموت الذي علم الله أنه يقع بالفار في الوقت الذي علم أن الفار يموت فيه ويقتل فإذا خيل إلى الفار أن الفرار قد دفع عنه خطرا فإنما ذلك في الأحوال التي علم الله أنها لا يصيب الفار فيها أذى ولا بد له من موت حتف أنفه أو قتل في الإبان الذي علم الله أنه يموت فيه أو يقتل. ولهذا عقب بجملة وإذا لا تمتعون إلا قليلا جوابا عن كلام مقدر دل عليه المذكور، أي إن خيل إليكم أن الفرار نفع الذي فر في وقت ما فما هو إلا نفع زهيد لأنه تأخير في أجل الحياة وهو متاع قليل، أي: إعطاء الحياة مدة منتهية، فإن إذا قد تكون جوابا لمحذوف دل عليه الكلام المذكور، كقول العنبري: لو كنت من مأزن لم تستبح إبلي ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبان إذن لقام بنصري معشر خشن ... عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا فإن قوله: إذن لقام بنصري، جواب وجزاء عن مقدر دل عليه: لم تستبح إبلي. والتقدير: فإن استباحوا إبلي إذن لقام بنصري معشر، وهو الذي أشعر كلام المرزوقي باختياره خلافا لما في «مغني اللبيب» . والأكثر أن إذا أن وقعت بعد الواو والفاء العاطفتين أن لا ينصب المضارع بعدها، وورد نصبه نادرا. والمقصود من الآية تخليق المسلمين بخلق استضعاف الحياة الدنيا وصرف هممهم إلى السعي نحو الكمال الذي به السعادة الأبدية سيرا وراء تعاليم الدين التي تقود النفوس إلى أوج الملكية. [71] قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا (17) قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة. يظهر أن هذه الجملة واقعة موقع التعليل لجملة لن ينفعكم الفرار إن فررتم الآية [الأحزاب: 16] ، فكأنه قيل: فمن ذا الذي يعصمكم من الله، أي: فلا عاصم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/٢٩١) ↗