البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

سورة الأحزاب · الآية ١٥

﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ ۚ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

{ وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا }. وهذه عادة المنافق عند الشدة والمحنة، لا يثبت إيمانه، وينظر بعقله القاصر، إلى الحالة القاصرة، ويصدق ظنه. { وإذ قالت طآئفة } من المنافقين، بعد ما جزعوا وقل صبرهم، وصاروا أيضا من المخذلين، فلا صبروا بأنفسهم، ولا تركوا الناس من شرهم، فقالت هذه الطائفة: { يأهل يثرب } يريدون: " يا أهل المدينة " ، فنادوهم باسم الوطن المنبئ [عن التسمية]، فيه إشارة إلى أن الدين والأخوة الإيمانية، ليس له في قلوبهم قدر، وأن الذي حملهم على ذلك، مجرد الخور الطبيعي. { يأهل يثرب لا مقام لكم } أي: في موضعكم الذي خرجتم إليه خارج المدينة، وكانوا عسكروا دون الخندق وخارج المدينة، { فارجعوا } إلى المدينة، فهذه الطائفة تخذل عن الجهاد، وتبين أنهم لا قوة لهم بقتال عدوهم، ويأمرونهم بترك القتال، فهذه الطائفة أشر الطوائف وأضرها، وطائفة أخرى دونهم، أصابهم الجبن والجزع، وأحبوا أن ينخزلوا عن الصفوف، فجعلوا يعتذرون بالأعذار الباطلة، وهم الذين قال الله فيهم: { ويستئذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة } أي: عليها الخطر، ونخاف عليها أن يهجم عليها الأعداء، ونحن غيب عنها، فأذن لنا نرجع إليها، فنحرسها، وهم كذبة في ذلك. { وما هي بعورة إن يريدون } أي: ما قصدهم { إلا فرارا } ولكن جعلوا هذا الكلام وسيلة وعذرا. [لهم] فهؤلاء قل إيمانهم، وليس له ثبوت عند اشتداد المحن. { ولو دخلت عليهم } المدينة { من أقطارها } أي: لو دخل الكفار إليها من نواحيها، واستولوا عليها - لا كان ذلك - { ثم } سئل هؤلاء { الفتنة } أي: الانقلاب عن دينهم، والرجوع إلى دين المستولين المتغلبين { لآتوها } أي: لأعطوها مبادرين. { وما تلبثوا بهآ إلا يسيرا } أي: ليس لهم منعة ولا تصلب على الدين، بل بمجرد ما تكون الدولة للأعداء، يعطونهم ما طلبوا، ويوافقونهم على كفرهم، هذه حالهم. والحال أنهم قد { …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

دخل عليهم الأعداء من كل جانب من جوانب المدينة، وقطر من أقطارها، ثم سئلوا الفتنة، وهي الدخول في الكفر، لكفروا سريعا، وهم لا يحافظون على الإيمان، ولا يستمسكون به مع أدنى خوف وفزع. هكذا فسرها قتادة، وعبد الرحمن بن زيد، وابن جرير، وهذا ذم لهم في غاية الذم. ثم قال تعالى يذكرهم بما كانوا عاهدوا الله من قبل هذا الخوف، ألا يولوا الأدبار ولا يفروا (1) من الزحف، {وكان عهد الله مسئولا} أي: وإن الله تعالى سيسألهم عن ذلك العهد، لا بد من ذلك. ثم أخبرهم أن فرارهم ذلك لا يؤخر آجالهم، ولا يطول أعمارهم، بل ربما كان ذلك سببا في تعجيل أخذهم غرة؛ ولهذا قال: {وإذا لا تمتعون إلا قليلا} أي: بعد هربكم وفراركم، {قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى} [النساء: 77] . ثم قال: {قل من ذا الذي يعصمكم من الله} أي: يمنعكم، {إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا} أي: ليس لهم ولا لغيرهم من دون الله مجير ولا مغيث (2) . يخبر تعالى عن إحاطة علمه بالمعوقين لغيرهم عن شهود الحرب، والقائلين لإخوانهم، أي: أصحابهم (3) وعشرائهم وخلطائهم {هلم إلينا} أي: إلى ما نحن فيه من الإقامة في الظلال والثمار، وهم مع ذلك {لا يأتون البأس إلا قليلا. أشحة عليكم} أي: بخلاء بالمودة، والشفقة عليكم. وقال السدي: {أشحة عليكم} أي: في الغنائم. {فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت} أي: من شدة خوفه وجزعه، وهكذا خوف هؤلاء الجبناء من القتال {فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد} أي: فإذا كان الأمن، تكلموا كلاما بليغا فصيحا عاليا، وادعوا لأنفسهم المقامات العالية في الشجاعة والنجدة، وهم يكذبون في ذلك. وقال ابن عباس: {سلقوكم (4) } أي: استقبلوكم.

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٣٩٠) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

الأدبار إن لقوهم في مشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم معهم، فما أوفوا بعهدهم {وكان عهد الله مسئولا} يقول: فيسأل الله ذلك من أعطاه إياه من نفسه، وذكر أن ذلك نزل في بني حارثة لما كان من فعلهم في الخندق بعد الذي كان منهم بأحد.

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٤٦) ↗

التحرير والتنوير

15] ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤلا (15) هؤلاء هم بنو حارثة وبنو سلمة وهم الذين قال فريق منهم إن بيوتنا عورة [الأحزاب: 13] واستأذن النبيء صلى الله عليه وسلم أي كانوا يوم أحد جبنوا ثم تابوا وعاهدوا النبيء صلى الله عليه وسلم أنهم لا يولون الأدبار في غزوة بعدها، وهم الذين نزل فيهم قوله تعالى: إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما [آل عمران: 122] فطرأ على نفر من بني حارثة نفاق وضعف في الإيمان فذكرهم الله بذلك وأراهم أن منهم فريقا قلبا لا يرعى عهدا ولا يستقر لهم اعتقاد وأن ذلك لضعف يقينهم وغلبة الجبن عليهم حتى يدعوهم إلى نبذ عهد الله. وهذا تنبيه للقبيلين ليزجروا من نكث منهم. وتأكيد هذا الخبر بلام القسم وحرف التحقيق وفعل كان، مع أن الكلام موجه إلى المؤمنين تنزيلا للسامعين منزلة من يتردد في أنهم عاهدوا الله على الثبات. وزيادة من قبل للإشارة إلى أن ذلك العهد قديم مستقر وهو عهد يوم أحد. وجملة لا يولون الأدبار بيان لجملة عاهدوا. والتولية: التوجه بالشيء وهي مشتقة من الولي وهو القرب، قال تعالى: فول وجهك شطر المسجد الحرام [البقرة: 144] . والأدبار: الظهور. وتولية الأدبار: كناية عن الفرار فإن الذي استأذنوا لأجله في غزوة الخندق أرادوا منه الفرار ألا ترى قوله إن يريدون إلا فرارا [الأحزاب: 13] ، والفرار مما عاهدوا الله على تركه. وجملة وكان عهد الله مسؤلا تذييل لجملة ولقد كانوا عاهدوا إلخ ... والمراد بعهد الله: كل عهد يوثقه الإنسان مع ربه. والمسئول: كناية عن المحاسب عليه كقول النبيء صلى الله عليه وسلم: «وكلكم مسؤول عن رعيته» ، وكما تقدم آنفا عند قوله تعالى: ليسئل الصادقين عن صدقهم [الأحزاب: 8] وهذا تهديد.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/٢٨٩) ↗