سورة الأحزاب · الآية ١٣
﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ۚ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا }. وهذه عادة المنافق عند الشدة والمحنة، لا يثبت إيمانه، وينظر بعقله القاصر، إلى الحالة القاصرة، ويصدق ظنه. { وإذ قالت طآئفة } من المنافقين، بعد ما جزعوا وقل صبرهم، وصاروا أيضا من المخذلين، فلا صبروا بأنفسهم، ولا تركوا الناس من شرهم، فقالت هذه الطائفة: { يأهل يثرب } يريدون: " يا أهل المدينة " ، فنادوهم باسم الوطن المنبئ [عن التسمية]، فيه إشارة إلى أن الدين والأخوة الإيمانية، ليس له في قلوبهم قدر، وأن الذي حملهم على ذلك، مجرد الخور الطبيعي. { يأهل يثرب لا مقام لكم } أي: في موضعكم الذي خرجتم إليه خارج المدينة، وكانوا عسكروا دون الخندق وخارج المدينة، { فارجعوا } إلى المدينة، فهذه الطائفة تخذل عن الجهاد، وتبين أنهم لا قوة لهم بقتال عدوهم، ويأمرونهم بترك القتال، فهذه الطائفة أشر الطوائف وأضرها، وطائفة أخرى دونهم، أصابهم الجبن والجزع، وأحبوا أن ينخزلوا عن الصفوف، فجعلوا يعتذرون بالأعذار الباطلة، وهم الذين قال الله فيهم: { ويستئذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة } أي: عليها الخطر، ونخاف عليها أن يهجم عليها الأعداء، ونحن غيب عنها، فأذن لنا نرجع إليها، فنحرسها، وهم كذبة في ذلك. { وما هي بعورة إن يريدون } أي: ما قصدهم { إلا فرارا } ولكن جعلوا هذا الكلام وسيلة وعذرا. [لهم] فهؤلاء قل إيمانهم، وليس له ثبوت عند اشتداد المحن. { ولو دخلت عليهم } المدينة { من أقطارها } أي: لو دخل الكفار إليها من نواحيها، واستولوا عليها - لا كان ذلك - { ثم } سئل هؤلاء { الفتنة } أي: الانقلاب عن دينهم، والرجوع إلى دين المستولين المتغلبين { لآتوها } أي: لأعطوها مبادرين. { وما تلبثوا بهآ إلا يسيرا } أي: ليس لهم منعة ولا تصلب على الدين، بل بمجرد ما تكون الدولة للأعداء، يعطونهم ما طلبوا، ويوافقونهم على كفرهم، هذه حالهم. والحال أنهم قد { …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
حسيكة، ضعف حاله فتنفس بما يجده من الوسواس في نفسه؛ لضعف إيمانه، وشدة ما هو فيه من ضيق الحال. وقوم آخرون قالوا كما قال الله: {وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب} يعني: المدينة، كما جاء في الصحيح: "أريت [في المنام] (1) دار هجرتكم، أرض بين حرتين فذهب وهلي أنها هجر، فإذا هي يثرب" (2) ،ش وفي لفظ: "المدينة". فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن مهدي، حدثنا صالح بن عمر، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سمى المدينة يثرب، فليستغفر الله، هي طابة، هي طابة" (3) . تفرد به الإمام أحمد، وفي (4) إسناده ضعف، والله أعلم. ويقال: إنما كان أصل تسميتها "يثرب" برجل نزلها من العماليق، يقال له: يثرب بن عبيل بن مهلابيل بن عوص بن عملاق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح. قاله السهيلي، قال: وروي عن بعضهم أنه قال: إن لها [في التوراة] (5) أحد عشر اسما: المدينة، وطابة، وطيبة، المسكينة، والجابرة، والمحبة، والمحبوبة، والقاصمة، والمجبورة، والعذراء، والمرحومة. وعن كعب الأحبار قال: إنا نجد في التوراة يقول الله للمدينة: يا طيبة، ويا طابة، ويا مسكينة [لا تقلي الكنوز، أرفع أحاجرك على أحاجر القرى] (6) . وقوله: {لا مقام لكم} أي: هاهنا، يعنون عند النبي صلى الله عليه وسلم في مقام المرابطة، {فارجعوا} أي: إلى بيوتكم ومنازلكم. {ويستأذن فريق منهم النبي} : قال العوفي، عن ابن عباس: هم بنو حارثة قالوا: بيوتنا نخاف عليها السرق. وكذا قال غير واحد. وذكر ابن إسحاق: أن القائل لذلك هو أوس بن قيظي، يعني: اعتذروا في الرجوع إلى منازلهم بأنها عورة، أي: ليس دونها ما يحجبها عن العدو، فهم يخشون عليها منهم. قال الله تعالى: {وما هي بعورة} أي: ليست كما يزعمون، {إن يريدون إلا فرارا} أي: هربا من الزحف. يخبر تعالى عن هؤلاء الذين {يقولون إن بيوتنا عورة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وقوله {لا مقام لكم فارجعوا} [الأحزاب: 13] بفتح الميم من مقام. يقول: لا مكان لكم، تقومون فيه، كما قال الشاعر: [البحر الوافر] فأيي ما وأيك كان شرا %~% فقيد إلى المقامة لا يراها PageEndV19P043 قوله {فارجعوا} [النور: 28] يقول: فارجعوا إلى منازلكم أمرهم بالهرب من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم والفرار منه وترك رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: إن ذلك من قيل أوس بن قيظي ومن وافقه على رأيه.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٤٢) ↗التحرير والتنوير
ابتلي اه. قلت: ومنه دخول (لات) على (هنا) في قول حجل بن نضلة: خنت نوار ولات هنا حنت ... وبدا الذي كانت نوار أجنت فإن (لات) خاصة بنفي أسماء الزمان فكان (هنا) إشارة إلى زمان منكر وهو لغة في (هنا) . ويقولون: يوم هنا، أي يوم أول، فيشيرون إلى زمن قريب، وأصل ذلك مجاز توسع فيه وشاع. والابتلاء: أصله الاختبار، ويطلق كناية عن إصابة الشدة لأن اختبار حال الثبات والصبر لازم لها، وسمى الله ما أصاب المؤمنين ابتلاء إشارة إلى أنه لم يزعزع إيمانهم. والزلزال: اضطراب الأرض، وهو مضاعف زل تضعيفا يفيد المبالغة، وهو هنا استعارة لاختلال الحال اختلالا شديدا بحيث تخيل مضطربة اضطرابا شديدا كاضطراب الأرض وهو أشد اضطرابا للحاقه أعظم جسم في هذا العالم. ويقال: زلزل فلان، مبنيا للمجهول تبعا لقولهم: زلزلت الأرض، إذ لا يعرف فاعل هذا الفعل عرفا. وهذا هو غالب استعماله قال تعالى: وزلزلوا حتى يقول الرسول الآية [البقرة: 214] . والمراد بزلزلة المؤمنين شدة الانزعاج والذعر لأن أحزاب العدو تفوقهم عددا وعدة. [12- 13] وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا (12) وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا (13) عطف على وإذ زاغت الأبصار [الأحزاب: 10] فإن ذلك كله مما ألحق بالمسلمين ابتلاء فبعضه من حال الحرب وبعضه من أذى المنافقين، ليحذروا المنافقين فيما يحدث من بعد، ولئلا يخشوا كيدهم فإن الله يصرفه كما صرف أشده يوم الأحزاب.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/٢٨٣) ↗