سورة الأحزاب · الآية ١٢
﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا }. وهذه عادة المنافق عند الشدة والمحنة، لا يثبت إيمانه، وينظر بعقله القاصر، إلى الحالة القاصرة، ويصدق ظنه. { وإذ قالت طآئفة } من المنافقين، بعد ما جزعوا وقل صبرهم، وصاروا أيضا من المخذلين، فلا صبروا بأنفسهم، ولا تركوا الناس من شرهم، فقالت هذه الطائفة: { يأهل يثرب } يريدون: " يا أهل المدينة " ، فنادوهم باسم الوطن المنبئ [عن التسمية]، فيه إشارة إلى أن الدين والأخوة الإيمانية، ليس له في قلوبهم قدر، وأن الذي حملهم على ذلك، مجرد الخور الطبيعي. { يأهل يثرب لا مقام لكم } أي: في موضعكم الذي خرجتم إليه خارج المدينة، وكانوا عسكروا دون الخندق وخارج المدينة، { فارجعوا } إلى المدينة، فهذه الطائفة تخذل عن الجهاد، وتبين أنهم لا قوة لهم بقتال عدوهم، ويأمرونهم بترك القتال، فهذه الطائفة أشر الطوائف وأضرها، وطائفة أخرى دونهم، أصابهم الجبن والجزع، وأحبوا أن ينخزلوا عن الصفوف، فجعلوا يعتذرون بالأعذار الباطلة، وهم الذين قال الله فيهم: { ويستئذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة } أي: عليها الخطر، ونخاف عليها أن يهجم عليها الأعداء، ونحن غيب عنها، فأذن لنا نرجع إليها، فنحرسها، وهم كذبة في ذلك. { وما هي بعورة إن يريدون } أي: ما قصدهم { إلا فرارا } ولكن جعلوا هذا الكلام وسيلة وعذرا. [لهم] فهؤلاء قل إيمانهم، وليس له ثبوت عند اشتداد المحن. { ولو دخلت عليهم } المدينة { من أقطارها } أي: لو دخل الكفار إليها من نواحيها، واستولوا عليها - لا كان ذلك - { ثم } سئل هؤلاء { الفتنة } أي: الانقلاب عن دينهم، والرجوع إلى دين المستولين المتغلبين { لآتوها } أي: لأعطوها مبادرين. { وما تلبثوا بهآ إلا يسيرا } أي: ليس لهم منعة ولا تصلب على الدين، بل بمجرد ما تكون الدولة للأعداء، يعطونهم ما طلبوا، ويوافقونهم على كفرهم، هذه حالهم. والحال أنهم قد { …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
حسيكة، ضعف حاله فتنفس بما يجده من الوسواس في نفسه؛ لضعف إيمانه، وشدة ما هو فيه من ضيق الحال. وقوم آخرون قالوا كما قال الله: {وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب} يعني: المدينة، كما جاء في الصحيح: "أريت [في المنام] (1) دار هجرتكم، أرض بين حرتين فذهب وهلي أنها هجر، فإذا هي يثرب" (2) ،ش وفي لفظ: "المدينة". فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن مهدي، حدثنا صالح بن عمر، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سمى المدينة يثرب، فليستغفر الله، هي طابة، هي طابة" (3) . تفرد به الإمام أحمد، وفي (4) إسناده ضعف، والله أعلم. ويقال: إنما كان أصل تسميتها "يثرب" برجل نزلها من العماليق، يقال له: يثرب بن عبيل بن مهلابيل بن عوص بن عملاق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح. قاله السهيلي، قال: وروي عن بعضهم أنه قال: إن لها [في التوراة] (5) أحد عشر اسما: المدينة، وطابة، وطيبة، المسكينة، والجابرة، والمحبة، والمحبوبة، والقاصمة، والمجبورة، والعذراء، والمرحومة. وعن كعب الأحبار قال: إنا نجد في التوراة يقول الله للمدينة: يا طيبة، ويا طابة، ويا مسكينة [لا تقلي الكنوز، أرفع أحاجرك على أحاجر القرى] (6) . وقوله: {لا مقام لكم} أي: هاهنا، يعنون عند النبي صلى الله عليه وسلم في مقام المرابطة، {فارجعوا} أي: إلى بيوتكم ومنازلكم. {ويستأذن فريق منهم النبي} : قال العوفي، عن ابن عباس: هم بنو حارثة قالوا: بيوتنا نخاف عليها السرق. وكذا قال غير واحد. وذكر ابن إسحاق: أن القائل لذلك هو أوس بن قيظي، يعني: اعتذروا في الرجوع إلى منازلهم بأنها عورة، أي: ليس دونها ما يحجبها عن العدو، فهم يخشون عليها منهم. قال الله تعالى: {وما هي بعورة} أي: ليست كما يزعمون، {إن يريدون إلا فرارا} أي: هربا من الزحف. يخبر تعالى عن هؤلاء الذين {يقولون إن بيوتنا عورة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٣٨) ↗التحرير والتنوير
ولا ينسوها لأن في ذكرها تجديدا للاعتزاز بدينهم والثقة بربهم والتصديق لنبيئهم صلى الله عليه وسلم. واختيرت للتذكير بهذا اليوم مناسبة الأمر بعدم طاعة الكافرين والمنافقين لأن من النعم التي حفت بالمؤمنين في يوم الأحزاب أن الله رد كيد الكافرين والمنافقين فذكر المؤمنون بسابق كيد المنافقين في تلك الأزمة ليحذروا مكائدهم وأراجيفهم في قضية التبني وتزوج النبيء صلى الله عليه وسلم مطلقة متبناه، ولذلك خص المنافقون بقوله: وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض [الأحزاب: 12] الآيات على أن قضية إبطال التبني وإباحة تزوج مطلق الأدعياء كان بقرب وقعة الأحزاب. وإذ ظرف للزمن الماضي متعلق ب نعمة لما فيها من معنى الإنعام، أي: اذكروا ما أنعم الله به عليكم زمان جاءتكم جنود فهزمهم الله بجنود لم تروها. وهذه الآية وما بعدها تشير إلى ما جرى من عظيم صنع الله بالمؤمنين في غزوة الأحزاب فلنأت على خلاصة ما ذكره أهل السير والتفسير ليكون منه بيان لمطاوي هذه الآيات. وكان سبب هذه الغزوة أن قريشا بعد وقعة أحد تهادنوا مع المسلمين لمدة عام على أن يلتقوا ببدر من العام القابل فلم يقع قتال ببدر لتخلف أبي سفيان عن الميعاد، فلم يناوش أحد الفريقين الفريق الآخر إلا ما كان من حادثة غدر المشركين بالمسلمين وهي حادثة بئر معونة حين غدرت قبائل عصية، ورعل، وذكوان من بني سليم بأربعين من المسلمين إذ سأل عامر بن مالك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوجههم إلى أهل نجد يدعونهم إلى الإسلام. وكان ذلك كيدا كاده عامر بن مالك وذلك بعد أربعة أشهر من انقضاء غزوة أحد. فلما أجلى النبيء صلى الله عليه وسلم بني النضير لما ظهر من غدرهم به وخيسهم بالعهد الذي لهم مع المسلمين، هنالك اغتاظ كبراء يهود قريظة بعد الجلاء وبعد أن نزلوا بديار بني قريظة وبخيبر فخرج سلام بن أبي الحقيق- بتشديد لام سلام وضم حاء الحقيق وفتح قافه- وكنانة بن أبي الحقيق، وحيي بن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗