سورة الأحزاب · الآية ١١
﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يذكر تعالى عباده المؤمنين نعمته عليهم، ويحثهم على شكرها، حين جاءتهم جنود أهل مكة والحجاز، من فوقهم، وأهل نجد من أسفل منهم، وتعاقدوا وتعاهدوا على استئصال الرسول والصحابة، وذلك في وقعة الخندق. ومالأتهم [طوائف] اليهود الذين حوالي المدينة، فجاءوا بجنود عظيمة وأمم كثيرة. وخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة، فحصروا المدينة، واشتد الأمر، وبلغت القلوب الحناجر، حتى بلغ الظن من كثير من الناس كل مبلغ، لما رأوا من الأسباب المستحكمة، والشدائد الشديدة، فلم يزل الحصار على المدينة مدة طويلة، والأمر كما وصف الله: { وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا } أي: الظنون السيئة، أن الله لا ينصر دينه ولا يتم كلمته. { هنالك ابتلي المؤمنون } بهذه الفتنة العظيمة { وزلزلوا زلزالا شديدا } بالخوف والقلق والجوع، ليتبين إيمانهم، ويزيد إيقانهم، فظهر - ولله الحمد - من إيمانهم وشدة يقينهم، ما فاقوا فيه الأولين والآخرين. وعندما اشتد الكرب، وتفاقمت الشدائد، صار إيمانهم عين اليقين، ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما [الأحزاب: 22]. وهنالك تبين نفاق المنافقين، وظهر ما كانوا يضمرون، قال تعالى: { وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما... }.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأحزاب ٩–١١) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
حسيكة، ضعف حاله فتنفس بما يجده من الوسواس في نفسه؛ لضعف إيمانه، وشدة ما هو فيه من ضيق الحال. وقوم آخرون قالوا كما قال الله: {وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب} يعني: المدينة، كما جاء في الصحيح: "أريت [في المنام] (1) دار هجرتكم، أرض بين حرتين فذهب وهلي أنها هجر، فإذا هي يثرب" (2) ،ش وفي لفظ: "المدينة". فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن مهدي، حدثنا صالح بن عمر، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سمى المدينة يثرب، فليستغفر الله، هي طابة، هي طابة" (3) . تفرد به الإمام أحمد، وفي (4) إسناده ضعف، والله أعلم. ويقال: إنما كان أصل تسميتها "يثرب" برجل نزلها من العماليق، يقال له: يثرب بن عبيل بن مهلابيل بن عوص بن عملاق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح. قاله السهيلي، قال: وروي عن بعضهم أنه قال: إن لها [في التوراة] (5) أحد عشر اسما: المدينة، وطابة، وطيبة، المسكينة، والجابرة، والمحبة، والمحبوبة، والقاصمة، والمجبورة، والعذراء، والمرحومة. وعن كعب الأحبار قال: إنا نجد في التوراة يقول الله للمدينة: يا طيبة، ويا طابة، ويا مسكينة [لا تقلي الكنوز، أرفع أحاجرك على أحاجر القرى] (6) . وقوله: {لا مقام لكم} أي: هاهنا، يعنون عند النبي صلى الله عليه وسلم في مقام المرابطة، {فارجعوا} أي: إلى بيوتكم ومنازلكم. {ويستأذن فريق منهم النبي} : قال العوفي، عن ابن عباس: هم بنو حارثة قالوا: بيوتنا نخاف عليها السرق. وكذا قال غير واحد. وذكر ابن إسحاق: أن القائل لذلك هو أوس بن قيظي، يعني: اعتذروا في الرجوع إلى منازلهم بأنها عورة، أي: ليس دونها ما يحجبها عن العدو، فهم يخشون عليها منهم. قال الله تعالى: {وما هي بعورة} أي: ليست كما يزعمون، {إن يريدون إلا فرارا} أي: هربا من الزحف. يخبر تعالى عن هؤلاء الذين {يقولون إن بيوتنا عورة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
مدل بقوتك أم عندك أخوك ينصرك؟ كان مصيبا. وقد بينا بعض هذا المعنى فيما مضى من كتابنا هذا بما فيه الكفاية عن إعادته. فمعنى الكلام: أم حسبتم أنكم أيها المؤمنون بالله ورسله تدخلون الجنة، ولم يصبكم مثل ما أصاب من قبلكم من أتباع الأنبياء والرسل من الشدائد والمحن والاختبار، فتبتلوا بما ابتلوا واختبروا به من البأساء وهو شدة الحاجة، والفاقة، والضراء، وهي العلل، والأوصاب؛ ولم تزلزلوا زلزالهم، يعني: ولم يصبهم من أعدائهم من الخوف، والرعب شدة وجهد حتى يستبطئ القوم نصر الله إياهم، فيقولون: متى الله ناصرنا. ثم أخبرهم الله أن نصره منهم قريب، وأنه معليهم على عدوهم، ومظهرهم عليه، فنجز لهم ما وعدهم، وأعلى كلمتهم، وأطفأ نار حرب الذين كفروا. وهذه الآية فيما يزعم أهل التأويل نزلت يوم الخندق، حين لقي المؤمنون ما لقوا من شدة الجهد، من خوف الأحزاب، وشدة أذى البرد، وضيق العيش الذي كانوا فيه يومئذ، يقول الله جل وعز للمؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها} [الأحزاب: 9] إلى قوله: {وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا} [الأحزاب: 11]
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٣/٦٣٦) ↗التحرير والتنوير
أن مفرده مؤذن بالجماعة مثل قوله تعالى جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب [ص: 11] فجمعه هنا لأنهم كانوا متجمعين من عدة قبائل لكل قبيلة جيش خرجوا متساندين لغزو المسلمين في المدينة، ونظيره قوله تعالى: فلما فصل طالوت بالجنود في سورة البقرة [249] . والجنود الثاني جمع جند بمعنى الجماعة من صنف واحد. والمراد بهم ملائكة أرسلوا لنصر المؤمنين وإلقاء الرعب والخوف في قلوب المشركين. [10- 11] 11] إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا (10) هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا (11) إذ جاؤكم بدل من إذ جاءتكم جنود [الأحزاب: 9] بدل مفصل من مجمل. والمراد ب (فوق) وأسفل فوق جهة المدينة وأسفلها. وو إذ زاغت الأبصار عطف على البدل وهو من جملة التفصيل، والتعريف في الأبصار والقلوب والحناجر للعهد، أي: أبصار المسلمين وقلوبهم وحناجرهم، أو تجعل اللام فيها عوضا عن المضافات إليها، أي: زاغت أبصاركم وبلغت قلوبكم حناجركم. والزيغ: الميل عن الاستواء إلى الانحراف. فزيغ البصر أن لا يرى ما يتوجه إليه، أو أن يريد التوجه إلى صوب فيقع إلى صوب آخر من شدة الرعب والانذعار. والحناجر: جمع حنجرة- بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح الجيم-: منتهى الحلقوم وهي رأس الغلصمة. وبلوغ القلوب الحناجر تمثيل لشدة اضطراب القلوب من الفزع والهلع حتى كأنها لاضطرابها تتجاوز مقارها وترتفع طالبة الخروج من الصدور فإذا بلغت الحناجر لم تستطع تجاوزها من الضيق فشبهت هيئة قلب الهلوع المرعود بهيئة قلب تجاوز موضعه وذهب متصاعدا طالبا الخروج، فالمشبه القلب نفسه باعتبار اختلاف الهيئتين.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/٢٨٠) ↗