سورة السجدة · الآية ٢٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: يستعجل المجرمون بالعذاب الذي وعدوا به على التكذيب، جهلا منهم ومعاندة. { ويقولون متى هذا الفتح } الذي يفتح بيننا وبينكم، بتعذيبنا على زعمكم { إن كنتم } أيها الرسل { صادقين } في دعواكم. { قل يوم الفتح } الذي يحصل به عقابكم، لا تستفيدون به شيئا، فلو كان إذا حصل، حصل إمهالكم، لتستدركوا ما فاتكم، حين صار الأمر عندكم يقينا، لكان لذلك وجه، ولكن إذا جاء يوم الفتح، انقضى الأمر، ولم يبق للمحنة محل ف { لا ينفع الذين كفروا إيمانهم } لأنه صار إيمان ضرورة، { ولا هم ينظرون } أي: يمهلون، فيؤخر عنهم العذاب، فيستدركون أمرهم. { فأعرض عنهم } لما وصل خطابهم إلى حالة الجهل واستعجال العذاب. { وانتظر } الأمر الذي يحل بهم، فإنه لا بد منه، ولكن له أجل، إذا جاء لا يتقدم ولا يتأخر. { إنهم منتظرون } بك ريب المنون، ومتربصون بكم دوائر السوء، والعاقبة للتقوى.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: السجدة ٢٨–٣٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… الأخرى، {لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون} ، كما قال تعالى: {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون. فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين. فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون} [غافر: 83-85] ، ومن زعم أن المراد من هذا الفتح فتح مكة فقد أبعد النجعة، وأخطأ فأفحش، فإن يوم الفتح قد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إسلام الطلقاء، وقد كانوا قريبا من ألفين، ولو كان المراد فتح مكة لما قبل إسلامهم؛ لقوله: {قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون} ، وإنما المراد الفتح الذي هو القضاء والفصل، كقوله تعالى: {فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين} [الشعراء: 118] ، وكقوله: {قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم} [سبأ: 26] ، وقال تعالى: {واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد} [إبراهيم: 15] ، وقال: {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا} [البقرة: 89] ، وقال: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} [الأنفال: 19] . ثم قال: {فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون} أي: أعرض عن هؤلاء المشركين وبلغ ما أنزل إليك من ربك، كقوله: {اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين} [الأنعام: 106] ، وانتظر فإن الله سينجز لك ما وعدك، وسينصرك على من خالفك، إنه لا يخلف الميعاد. وقوله: {إنهم منتظرون} أي: أنت منتظر، وهم منتظرون، ويتربصون بكم الدوائر، {أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون} [الطور:30] ، وسترى أنت عاقبة صبرك عليهم وعلى أداء رسالة الله، في نصرتك وتأييدك، وسيجدون غب ما ينتظرونه فيك وفي أصحابك، من وبيل عقاب الله لهم، وحلول عذابه بهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل، [والله أعلم] . (1) [آخر تفسير سورة "الم السجدة"] (2)
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٣٧٤) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، في قوله " {ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين} [السجدة: 28] قال: قال أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم: إن لنا يوما أوشك أن نستريح فيه وننعم فيه، فقال المشركون {متى هذا الفتح إن كنتم صادقين} [السجدة: 28] ". وقال آخرون: بل عنى بذلك: فتح مكة. والصواب من القول في ذلك قول من قال: معناه: ويقولون متى يجيء هذا الحكم بيننا وبينكم، يعنون العذاب يدل على أن ذلك معناه قوله: {قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون} [السجدة: 29] ولا شك أن الكفار قد كان جعل الله لهم التوبة قبل فتح مكة وبعده، ولو كان معنى قوله {متى هذا الفتح} [السجدة: 28] على ما قاله من قال: يعني به: فتح مكة، لكان لا توبة لمن أسلم من المشركين بعد فتح مكة، ولا شك أن الله قد تاب على بشر كثير من المشركين بعد فتح مكة ونفعهم بالإيمان به وبرسوله فمعلوم بذلك صحة ما قلنا من التأويل، وفساد ما خالفه. وقوله: {إن كنتم صادقين} [البقرة: 23] يعني: إن كنتم صادقين في الذي تقولون من أنا معاقبون على تكذيبنا محمدا صلى الله عليه وسلم، وعبادتنا الآلهة والأوثان.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٦٤٤) ↗التحرير والتنوير
في قوله أفلا يسمعون [السجدة: 21] . ونيط الحكم بالإبصار هنا لأن دلالة إحياء الأرض بعد موتها دلالة مشاهدة. [28- 30] ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين (28) قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون (29) فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون (30) يجوز أن يكون عطفا على جملة ثم أعرض عنها [السجدة: 22] ، أي: أعرضوا عن سماع الآيات والتدبر فيها وتجاوزوا ذلك إلى التكذيب والتهكم بها. ومناسبة ذكر ذلك هنا أنه وقع عقب الإشارة إلى دليل وقوع البعث وهو يوم الفصل. ويجوز أن يعطف على جملة وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد [السجدة: 10] . والمعنى: أنهم كذبوا بالبعث وما معه من الوعيد في الآخرة وكذبوا بوعيد عذاب الدنيا الذي منه قوله تعالى: ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر [السجدة: 21] . والفتح: النصر والقضاء. والمراد به: نصر أهل الإيمان بظهور فوزهم وخيبة أعدائهم فإن خيبة العدو نصر لضده وكان المسلمون يتحدون المشركين بأن الله سيفتح بينهم وينصرهم وتظهر حجتهم، فكان الكافرون يكررون التهكم بالمسلمين بالسؤال عن وقت هذا الفتح استفهاما مستعملا في التكذيب حيث لم يحصل المستفهم عنه. وحكاية قولهم بصيغة المضارع لإفادة التعجيب منه كقوله تعالى: يجادلنا في قوم لوط [هود: 74] مع إفادة تكرر ذلك منهم واتخاذهم إياه. والمعنى: إن كنتم صادقين في أنه واقع فبينوا لنا وقته فإنكم إذ علمتم به دون غيركم فلتعلموا وقته. وهذا من السفسطة الباطلة لأن العلم بالشيء إجمالا لا يقتضي العلم بتفصيل أحواله حتى ينسب الذي لا يعلم تفصيله إلى الكذب في إجماله.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/٢٤٢) ↗