سورة السجدة · الآية ٢٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يعني: أولم يتبين لهؤلاء المكذبين للرسول، ويهدهم إلى الصواب. { كم أهلكنا من قبلهم من القرون } الذين سلكوا مسلكهم، { يمشون في مساكنهم } فيشاهدونها عيانا، كقوم هود وصالح، وقوم لوط. { إن في ذلك لآيات } يستدل بها على صدق الرسل التي جاءتهم، وبطلان ما هم عليه من الشرك والشر، وعلى أن من فعل مثل فعلهم، فعل بهم كما فعل بأشياعه من قبل. وعلى أن الله تعالى مجازي العباد، وباعثهم للحشر والتناد. { أفلا يسمعون } آيات الله فيعونها فينتفعون بها، فلو كان لهم سمع صحيح وعقل رجيح، لم يقيموا على حالة يجزم بها بالهلاك. { أولم يروا } بأبصارهم نعمتنا وكمال حكمتنا { أنا نسوق المآء إلى الأرض الجرز } التي لا نبات فيها، فيسوق الله المطر الذي لم يكن قبل موجودا فيها فيفرغه فيها من السحاب أو من الأنهار. { فنخرج به زرعا } أي: نباتا مختلف الأنواع { تأكل منه أنعامهم } وهو نبات البهائم، { وأنفسهم } وهو طعام الآدميين. { أفلا يبصرون } تلك المنة، التي أحيا الله بها البلاد والعباد، فيستبصرون فيهتدون بذلك البصر وتلك البصيرة، إلى الصراط المستقيم، ولكن غلب عليهم العمى، واستولت عليهم الغفلة، فلم يبصروا في ذلك بصر الرجال، وإنما نظروا إلى ذلك نظر الغفلة، ومجرد العادة، فلم يوفقوا للخير.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: السجدة ٢٦–٢٧) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وليس المراد من قوله: {إلى الأرض الجرز} أرض مصر فقط، بل هي بعض المقصود، وإن مثل بها كثير من المفسرين فليست [هي] (1) المقصودة وحدها، ولكنها مرادة قطعا من هذه الآية، فإنها في نفسها أرض رخوة غليظة تحتاج من الماء ما لو نزل عليها مطرا لتهدمت أبنيتها، فيسوق الله إليها النيل بما يتحمله من الزيادة الحاصلة من أمطار بلاد الحبشة، وفيه طين أحمر، فيغشى أرض مصر، وهي أرض سبخة مرملة محتاجة إلى ذلك الماء، وذلك الطين أيضا لينبت الزرع فيه، فيستغلون كل سنة على ماء جديد ممطور في غير بلادهم، وطين جديد من غير أرضهم، فسبحان الحكيم الكريم المنان المحمود ابتداء. قال ابن لهيعة، عن قيس بن حجاج، عمن حدثه قال: لما فتحت مصر، أتى أهلها عمرو بن العاص -[وكان أميرا بها] (2) -حين دخل بؤونة من أشهر العجم، فقالوا: أيها الأمير، إن لنيلنا سنة لا يجري إلا بها. قال: وما ذاك؟ قالوا: إذا كانت ثنتا عشرة ليلة خلت من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين (3) أبويها، فأرضينا أبويها، وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل. فقال لهم عمرو: إن هذا لا يكون في الإسلام، إن الإسلام يهدم ما كان قبله. فأقاموا بؤونة والنيل لا يجري، حتى هموا بالجلاء، فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب بذلك، فكتب إليه: إنك قد أصبت بالذي فعلت، وقد بعثت إليك ببطاقة داخل كتابي هذا، فألقها في النيل. فلما قدم كتابه أخذ عمرو البطاقة ففتحها فإذا فيها: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر، أما بعد ... فإنك إن كنت إنما تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل الله أن يجريك. قال: فألقى البطاقة في النيل، وأصبحوا يوم السبت وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة، وقطع الله تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم. رواه الحافظ أبو القاسم اللالكائي الطبري في كتاب "السنة" له. (4) ولهذا قال تعالى: {أولم يروا أنا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، " {أولم يهد لهم} [السجدة: 26] يقول: أو لم يبين لهم ". وعلى القراءة بالياء في ذلك قراء الأمصار، وكذلك القراءة عندنا لإجماع الحجة من القراء، بمعنى: أو لم يبين لهم إهلاكنا القرون الخالية من قبلهم، سنتنا فيمن سلك سبيلهم من الكفر بآياتنا، فيتعظوا وينزجروا. وقوله {كم} [السجدة: 26] إذا قرئ {يهد} [السجدة: 26] بالياء، في موضع رفع ب {يهد} [السجدة: 26] . وأما إذا قرئ ذلك بالنون «أو لم نهد» فإن موضع {كم} [السجدة: 26] وما بعدها نصب. PageEndV18P640 وقوله: {يمشون في مساكنهم} [السجدة: 26] يقول تعالى ذكره: أو لم يبين لهم كثرة إهلاكنا القرون الماضية من قبلهم يمشون في بلادهم وأرضهم، كعاد وثمود. كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، " {أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون} [السجدة: 26] عاد وثمود وأنهم إليهم لا يرجعون "
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٦٤٠) ↗التحرير والتنوير
نطقت به شريعتهم وسنته أنبياؤهم، ومن أعظم ذلك الاختلاف كتمانهم الشهادة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم وجحدهم ما أخذ عليهم من الميثاق من أنبيائهم. وضمير هو في قوله هو يفصل ضمير فصل لقصر الفصل عليه تعالى إيماء إلى أن ما يذكر في القرآن من بيان بعض ما اختلفوا فيه على أنبيائهم ليس مطموعا منه أن يرتدعوا عن اختلافهم وإنما هو للتسجيل عليهم وقطع معذرتهم لأنهم لا يقبلون الحجة فلا يفصل بينهم إلا يوم القيامة. [26] 26] أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون (26) عطف على جملة ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها [السجدة: 22] ، ولما كان ذلك التذكير متصلا كقوله وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون [السجدة: 10] كان الهدي، أي العلم المستفهم عنه بهذا الاستفهام شاملا للهدي إلى دليل البعث وإلى دليل العقاب على الإعراض عن التذكير فأفاد قوله كم أهلكنا من قبلهم من القرون معنين: أحدهما: إهلاك أمم كانوا قبلهم فجاء هؤلاء المشركون بعدهم، وذلك تمثيل للبعث وتقريب لإمكانه. وثانيهما: إهلاك أمم كذبوا رسلهم ففيهم عبرة لهم أن يصيبهم مثل ما أصابهم. والاستفهام إنكاري، أي هم لم يهتدوا بدلائل النظر والاستدلال التي جاءهم بها القرآن فأعرضوا عنها ولا اتعظوا بمصارع الأمم الذين كذبوا أنبياءهم وفي مهلكهم آيات تزجر أمثالهم عن السلوك فيما سلكوه. فضمير لهم عائد إلى المجرمين أو إلى من ذكر بآيات ربه. ويهد من الهداية وهي الدلالة والإرشاد، يقال: هداه إلى كذا. وضمن فعل يهد معنى يبين، فعدي باللام فأفاد هداية واضحة بينة. وقد تقدم نظيره في قوله تعالى أولم يهد للذين يرثون الأرض في سورة [الأعراف: 100] . واختير فعل الهداية في هذه الآية لإرادة الدلالة الجامعة للمشاهدة ولسماع أخبار تلك الأمم تمهيدا لقوله في آخرها أفلا يسمعون، ولأن كثرة
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/٢٣٩) ↗