البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة السجدة · الآية ٢٠

﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۖ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

ينبه تعالى العقول على ما تقرر فيها، من عدم تساوي المتفاوتين المتباينين، وأن حكمته تقتضي عدم تساويهما، فقال: { أفمن كان مؤمنا } قد عمر قلبه بالإيمان، وانقادت جوارحه لشرائعه، واقتضى إيمانه آثاره وموجباته، من ترك مساخط الله، التي يضر وجودها بالإيمان. { كمن كان فاسقا } قد خرب قلبه وتعطل من الإيمان، فلم يكن فيه وازع ديني، فأسرعت جوارحه بموجبات الجهل والظلم، من كل إثم ومعصية، وخرج بفسقه عن طاعة الله. أفيستوي هذان الشخصان؟ { لا يستوون } عقلا وشرعا، كما لا يستوي الليل والنهار، والضياء والظلمة، وكذلك لا يستوي ثوابهما في الآخرة. { أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات } من فروض ونوافل { فلهم جنات المأوى } أي: الجنات التي هي مأوى اللذات، ومعدن الخيرات، ومحل الأفراح، ونعيم القلوب والنفوس والأرواح، ومحل الخلود، وجوار الملك المعبود، والتمتع بقربه، والنظر إلى وجهه، وسماع خطابه. { نزلا } لهم أي: ضيافة، وقرى { بما كانوا يعملون } فأعمالهم التي تفضل الله بها عليهم، هي التي أوصلتهم لتلك المنازل الغالية العالية، التي لا يمكن التوصل إليها ببذل الأموال، ولا بالجنود والخدم، ولا بالأولاد، بل ولا بالنفوس والأرواح، ولا يتقرب إليها بشيء أصلا، سوى الإيمان والعمل الصالح. { وأما الذين فسقوا فمأواهم النار } أي: مقرهم ومحل خلودهم، النار التي جمعت كل عذاب وشقاء، ولا يفتر عنهم العقاب ساعة. { كلمآ أرادوا أن يخرجوا منهآ أعيدوا فيها } فكلما حدثتهم إرادتهم بالخروج، لبلوغ العذاب منهم كل مبلغ، ردوا إليها، فذهب عنهم روح ذلك الفرج، واشتد عليهم الكرب. { وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون } فهذا عذاب النار، الذي يكون فيه مقرهم ومأواهم، وأما العذاب الذي قبل ذلك، ومقدمة له وهو عذاب البرزخ، فقد ذكر بقوله: { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر... }.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: السجدة ١٨–٢٠) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يخبر تعالى عن عدله [وكرمه] (1) أنه لا يساوي في حكمه يوم القيامة من كان مؤمنا بآياته متبعا لرسله، بمن كان فاسقا، أي: خارجا عن طاعة ربه مكذبا لرسله إليه (2) ، كما قال تعالى: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} [الجاثية: 21] ، وقال تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} [ص: 28] ، وقال تعالى: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون} [الحشر: 20] ؛ ولهذا قال تعالى هاهنا: {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون} أي: عند الله يوم القيامة. وقد ذكر عطاء بن يسار والسدي وغيرهما: أنها نزلت في علي بن أبي طالب، وعقبة بن أبي معيط؛ ولهذا فصل حكمهم فقال: {أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي: صدقت قلوبهم بآيات الله وعملوا بمقتضاها (3) ، وهي الصالحات {فلهم جنات المأوى} أي: التي فيها المساكن والدور والغرف العالية {نزلا} أي: ضيافة وكرامة {بما كانوا يعملون. وأما الذين فسقوا} أي: خرجوا عن الطاعة، {فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها} كقوله: {كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها} الآية [الحج: 22] . قال الفضيل بن عياض: والله إن الأيدي لموثقة، وإن الأرجل لمقيدة، وإن اللهب ليرفعهم والملائكة تقمعهم. {وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون} أي: يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا. وقوله: {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون [لعلهم يرجعون] } (4) قال (5) ابن عباس: يعني بالعذاب الأدنى مصائب الدنيا وأسقامها وآفاتها، وما يحل بأهلها مما يبتلي الله به عباده ليتوبوا إليه. وروي مثله عن أبي بن كعب، وأبي العالية، والحسن، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وعلقمة، وعطية، ومجاهد، وقتادة، وعبد الكريم الجزري، وخصيف. وقال ابن عباس -في رواية عنه -: …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

التحرير والتنوير

أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون (18) أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون (19) وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون (20) فرع بالفاء على ما تقدم من الآيات من الوعد للمؤمنين والوعيد للكافرين استفهام بالهمزة مستعمل في إنكار المساواة بين المؤمن والكافر، وهو إنكار بتنزيل السامع منزلة المتعجب من البون بين جزاء الفريقين في ذلك اليوم فكان الإنكار موجها إلى ذلك التعجب في معنى الاستئناف البياني. والكاف للتشبيه في الجزاء. وجملة لا يستوون عطف بيان للمقصود من الاستفهام. والفاسق هنا هو: من ليس بمؤمن بقرينة قوله بعده وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون. فالمراد: الفسق عن الإيمان الذي هو الشرك وهو إطلاق كثير في القرآن. ثم أكد كلا الجزاءين بذكر مرادف لمدلوله مع زيادة فائدة، فجملة فلهم جنات المأوى إلى آخرها مؤكدة لمضمون جملة فلا تعلم نفس ما أخفي لهم [السجدة: 17] إلى آخرها. وجملة فمأواهم النار إلى آخرها مؤكدة لمضمون جملة فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إلى بما كنتم تعملون [السجدة: 14] . ومن الموصولة في الموضعين عامة بقرينة التفصيل بالجمع في قوله أما الذين آمنوا إلخ. وأما الذين فسقوا. فليست الآية نازلة في معين كما قيل. والمأوى: المكان الذي يؤوى إليه، أي يرجع إليه. والتعريف باللام فيه للعهد، أي مأوى المؤمنين، قال تعالى: عندها جنة المأوى [النجم: 15] . ولك أن تجعل اللام عوضا عن المضاف إليه، أي مأواهم بقرينة قوله في

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/٢٣١) ↗