سورة السجدة · الآية ١٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر تعالى رجوعهم إليه يوم القيامة، ذكر حالهم في مقامهم بين [يديه]، فقال: { ولو ترى إذ المجرمون } الذين أصروا على الذنوب العظيمة، { ناكسوا رءوسهم عند ربهم } خاشعين خاضعين أذلاء، مقرين بجرمهم، سائلين الرجعة قائلين: { ربنآ أبصرنا وسمعنا } أي: بان لنا الأمر، ورأيناه عيانا، فصار عين يقين. { فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون } أي: صار عندنا الآن يقين بما [كنا] نكذب به، أي: لرأيت أمرا [فظيعا]، وحالا مزعجة، وأقواما خاسرين، وسؤلا غير مجاب، لأنه قد مضى وقت الإمهال. وكل هذا بقضاء الله وقدره، حيث خلى بينهم وبين الكفر والمعاصي، فلهذا قال: { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } أي: لهدينا الناس كلهم، وجمعناهم على الهدى، فمشيئتنا صالحة لذلك، ولكن الحكمة تأبى أن يكونوا كلهم على الهدى، ولهذا قال: { ولكن حق القول مني } أي: وجب، وثبت ثبوتا لا تغير فيه. { لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } فهذا الوعد لا بد منه، ولا محيد عنه، فلا بد من تقرير أسبابه من الكفر والمعاصي. { فذوقوا بما نسيتم لقآء يومكم هذآ } أي: يقال للمجرمين الذين ملكهم الذل، وسألوا الرجعة إلى الدنيا، ليستدركوا ما فاتهم، قد فات وقت الرجوع ولم يبق إلا العذاب، فذوقوا العذاب الأليم، بما نسيتم لقاء يومكم هذا، وهذا النسيان نسيان ترك، أي: بما أعرضتم عنه وتركتم العمل له، وكأنكم غير قادمين عليه، ولا ملاقيه. { إنا نسيناكم } أي: تركناكم بالعذاب، جزاء من جنس عملكم، فكما نسيتم نسيتم، { وذوقوا عذاب الخلد } أي: العذاب غير المنقطع، فإن العذاب إذا كان له أجل وغاية، كان فيه بعض التنفيس والتخفيف، وأما عذاب جهنم - أعاذنا الله منه - فليس فيه روح راحة، ولا انقطاع لعذابهم فيها. { بما كنتم تعملون } من الكفر والفسوق والمعاصي.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: السجدة ١٢–١٤) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… السعير} [الملك:10] . وهكذا هؤلاء يقولون: {ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا} أي: إلى الدار الدنيا، {نعمل صالحا إنا موقنون} أي: قد أيقنا وتحققنا أن وعدك حق ولقاءك حق، وقد علم الرب تعالى منهم أنه لو أعادهم إلى الدار الدنيا لكانوا كما كانوا فيها كفارا يكذبون آيات (3) الله ويخالفون رسله، كما قال: {ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين. بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين} [الأنعام: 27-29] . وقال هاهنا {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} ، كما قال تعالى {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} [يونس: 99] . {ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} أي: من الصنفين، فدارهم النار (4) لا محيد لهم عنها ولا محيص لهم منها، نعوذ بالله وكلماته التامة من ذلك. {فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا} أي: يقال لأهل النار على سبيل التقريع والتوبيخ: ذوقوا [هذا] (5) العذاب بسبب تكذيبكم به، واستبعادكم وقوعه، وتناسيكم له؛ إذ عاملتموه معاملة من هو ناس له، {إنا نسيناكم} أي: [إنا] (6) سنعاملكم معاملة الناسي؛ لأنه تعالى لا ينسى شيئا ولا يضل عنه شيء، بل من باب المقابلة، كما قال تعالى: {اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا} [الجاثية: 34] . وقوله: {وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون} أي: بسبب كفركم وتكذيبكم، (7) كما قال في الآية الأخرى: {لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا. إلا حميما وغساقا جزاء وفاقا. إنهم كانوا لا يرجون حسابا. وكذبوا بآياتنا كذابا. وكل شيء أحصيناه كتابا. فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا} [النبأ: 24-30] .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٣٦٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٦٠٥) ↗التحرير والتنوير
به، أي: فعلمنا أن ما دعانا إليه الرسول هو الحق الذي به النجاة من العذاب فارجعنا إلى الدنيا نعمل صالحا كما قالوا في موطن آخر ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل [إبراهيم: 44] . وقوله إنا موقنون تعليل لتحقيق الوعد بالعمل الصالح بأنهم صاروا موقنين بحقية ما يدعوهم الرسول صلى الله عليه وسلم إليه فكانت إن مغنية غناء فاء التفريع المفيدة للتعليل، أي ما يمنعنا من تحقيق ما وعدنا به شك ولا تكذيب، إنا أيقنا الآن أن ما دعينا إليه حق. فاسم الفاعل في قوله موقنون واقع زمان الحال كما هو أصله. [13] 13] ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين (13) اعتراض بين القول المقدر قبل قوله ربنا أبصرنا وسمعنا [السجدة: 12] وبين الجواب عنه بقوله فذوقوا بما نسيتم [السجدة: 14] فالواو التي في صدر الجملة اعتراضية، وهي من قبيل واو الحال. ومفعول فعل المشيئة محذوف على ما هو الغالب في فعل المشيئة الواقع شرطا استغناء عن المفعول بما يدل عليه جواب الشرط. والمعنى: لو شئنا لجبلنا كل نفس على الانسياق إلى الهدى بدون اختيار كما جبلت العجماوات على ما ألهمت إليه من نظام حياة أنواعها فلكانت النفوس غير محتاجة إلى النظر في الهدى وضده، ولا إلى دعوة من الله إلى طريق الهدى، ولكن الله لما أراد أن يكل إلى نوع الإنسان تعمير هذا العالم، وأن يجعله عنوانا لعلمه وحكمته، وأن يفضله على جميع الأنواع والأجناس العامرة لهذا العالم اقتضى لتحقيق هذه الحكمة أن يخلق في الإنسان عقلا يدرك به النفع والضر، والكمال والنقص، والصلاح والفساد، والتعمير والتخريب، وتنكشف له بالتدبر عواقب الأعمال المشتبهة والمموهة بحيث يكون له اختيار ما يصدر عنه من أجناس وأنواع الأفعال التي هي في مكنته بإرادة تتوجه إلى الشيء وضده، وخلق فيه من أسباب
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/٢٢٢) ↗