سورة السجدة · الآية ١٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر تعالى رجوعهم إليه يوم القيامة، ذكر حالهم في مقامهم بين [يديه]، فقال: { ولو ترى إذ المجرمون } الذين أصروا على الذنوب العظيمة، { ناكسوا رءوسهم عند ربهم } خاشعين خاضعين أذلاء، مقرين بجرمهم، سائلين الرجعة قائلين: { ربنآ أبصرنا وسمعنا } أي: بان لنا الأمر، ورأيناه عيانا، فصار عين يقين. { فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون } أي: صار عندنا الآن يقين بما [كنا] نكذب به، أي: لرأيت أمرا [فظيعا]، وحالا مزعجة، وأقواما خاسرين، وسؤلا غير مجاب، لأنه قد مضى وقت الإمهال. وكل هذا بقضاء الله وقدره، حيث خلى بينهم وبين الكفر والمعاصي، فلهذا قال: { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } أي: لهدينا الناس كلهم، وجمعناهم على الهدى، فمشيئتنا صالحة لذلك، ولكن الحكمة تأبى أن يكونوا كلهم على الهدى، ولهذا قال: { ولكن حق القول مني } أي: وجب، وثبت ثبوتا لا تغير فيه. { لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } فهذا الوعد لا بد منه، ولا محيد عنه، فلا بد من تقرير أسبابه من الكفر والمعاصي. { فذوقوا بما نسيتم لقآء يومكم هذآ } أي: يقال للمجرمين الذين ملكهم الذل، وسألوا الرجعة إلى الدنيا، ليستدركوا ما فاتهم، قد فات وقت الرجوع ولم يبق إلا العذاب، فذوقوا العذاب الأليم، بما نسيتم لقاء يومكم هذا، وهذا النسيان نسيان ترك، أي: بما أعرضتم عنه وتركتم العمل له، وكأنكم غير قادمين عليه، ولا ملاقيه. { إنا نسيناكم } أي: تركناكم بالعذاب، جزاء من جنس عملكم، فكما نسيتم نسيتم، { وذوقوا عذاب الخلد } أي: العذاب غير المنقطع، فإن العذاب إذا كان له أجل وغاية، كان فيه بعض التنفيس والتخفيف، وأما عذاب جهنم - أعاذنا الله منه - فليس فيه روح راحة، ولا انقطاع لعذابهم فيها. { بما كنتم تعملون } من الكفر والفسوق والمعاصي.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: السجدة ١٢–١٤) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… الله ويخالفون رسله، كما قال: {ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين. بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين} [الأنعام: 27-29] . وقال هاهنا {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} ، كما قال تعالى {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} [يونس: 99] . {ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} أي: من الصنفين، فدارهم النار (4) لا محيد لهم عنها ولا محيص لهم منها، نعوذ بالله وكلماته التامة من ذلك. {فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا} أي: يقال لأهل النار على سبيل التقريع والتوبيخ: ذوقوا [هذا] (5) العذاب بسبب تكذيبكم به، واستبعادكم وقوعه، وتناسيكم له؛ إذ عاملتموه معاملة من هو ناس له، {إنا نسيناكم} أي: [إنا] (6) سنعاملكم معاملة الناسي؛ لأنه تعالى لا ينسى شيئا ولا يضل عنه شيء، بل من باب المقابلة، كما قال تعالى: {اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا} [الجاثية: 34] . وقوله: {وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون} أي: بسبب كفركم وتكذيبكم، (7) كما قال في الآية الأخرى: {لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا. إلا حميما وغساقا جزاء وفاقا. إنهم كانوا لا يرجون حسابا. وكذبوا بآياتنا كذابا. وكل شيء أحصيناه كتابا. فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا} [النبأ: 24-30] .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٣٦٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٦٠٦) ↗التحرير والتنوير
إرجاعهم إلى الدنيا ليعملوا الصالحات مقتضى لحكمتنا لكنا جبلناهم على الهدى في حياتهم الدنيا فكانوا يأتون الصالحات بالقسر والإلجاء. فالمراد القول ما أوعد الله به أهل الشرك والضلال. والجنة: الجن وهم الشياطين. وجعل جمهور المفسرين قوله ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها إلى آخره جوابا موجها من قبل الله تعالى إلى المجرمين عن قولهم ربنا أبصرنا [السجدة: 12] إلخ. ووجود الواو في أول هذا الكلام ينادي على أنه ليس جوابا لقول المشركين يومئذ فهم أقل من أن يجعلوا أهلا لتلقي هذه الحكمة بل حقهم الإعراض عن جوابهم كما جاء في آية سورة المؤمنين [106- 108] : قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون قال اخسؤا فيها ولا تكلمون، ولأنه لا يلاقي سؤالهم لأنهم سألوا الرجوع ليعملوا صالحا ولم يكن كلامهم اعتذارا عن ضلالهم بأن الله لم يؤتهم الهدى في الحياة الدنيا، وإنما هذا بيان من الله ساقه للرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين ليحيطوا علما بدقائق الحكمة الربانية. وعدل عن الإضافة حق القول مني فلم يقل: حق قولي، لأنه أريد الإشارة إلى قول معهود وهو ما في سورة ص [85] : لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين أي حق القول المعهود. واجتلبت من الابتدائية لتعظيم شأن هذا القول بأنه من الله. وعدل عن ضمير العظمة إلى ضمير النفس لإفادة الانفراد بالتصرف ولأنه الأصل، مع ما في هذا الاختلاف من التفنن. [14] فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون (14) هذا جواب عن قولهم ربنا أبصرنا وسمعنا [السجدة: 12] الذي هو إقرار بصدق ما كانوا يكذبون به، المؤذن به قولهم ربنا أبصرنا وسمعنا. فالفاء لتفريع جواب
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/٢٢٤) ↗