البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة السجدة · الآية ١٢

﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

لما ذكر تعالى رجوعهم إليه يوم القيامة، ذكر حالهم في مقامهم بين [يديه]، فقال: { ولو ترى إذ المجرمون } الذين أصروا على الذنوب العظيمة، { ناكسوا رءوسهم عند ربهم } خاشعين خاضعين أذلاء، مقرين بجرمهم، سائلين الرجعة قائلين: { ربنآ أبصرنا وسمعنا } أي: بان لنا الأمر، ورأيناه عيانا، فصار عين يقين. { فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون } أي: صار عندنا الآن يقين بما [كنا] نكذب به، أي: لرأيت أمرا [فظيعا]، وحالا مزعجة، وأقواما خاسرين، وسؤلا غير مجاب، لأنه قد مضى وقت الإمهال. وكل هذا بقضاء الله وقدره، حيث خلى بينهم وبين الكفر والمعاصي، فلهذا قال: { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } أي: لهدينا الناس كلهم، وجمعناهم على الهدى، فمشيئتنا صالحة لذلك، ولكن الحكمة تأبى أن يكونوا كلهم على الهدى، ولهذا قال: { ولكن حق القول مني } أي: وجب، وثبت ثبوتا لا تغير فيه. { لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } فهذا الوعد لا بد منه، ولا محيد عنه، فلا بد من تقرير أسبابه من الكفر والمعاصي. { فذوقوا بما نسيتم لقآء يومكم هذآ } أي: يقال للمجرمين الذين ملكهم الذل، وسألوا الرجعة إلى الدنيا، ليستدركوا ما فاتهم، قد فات وقت الرجوع ولم يبق إلا العذاب، فذوقوا العذاب الأليم، بما نسيتم لقاء يومكم هذا، وهذا النسيان نسيان ترك، أي: بما أعرضتم عنه وتركتم العمل له، وكأنكم غير قادمين عليه، ولا ملاقيه. { إنا نسيناكم } أي: تركناكم بالعذاب، جزاء من جنس عملكم، فكما نسيتم نسيتم، { وذوقوا عذاب الخلد } أي: العذاب غير المنقطع، فإن العذاب إذا كان له أجل وغاية، كان فيه بعض التنفيس والتخفيف، وأما عذاب جهنم - أعاذنا الله منه - فليس فيه روح راحة، ولا انقطاع لعذابهم فيها. { بما كنتم تعملون } من الكفر والفسوق والمعاصي.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: السجدة ١٢–١٤) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يخبر تعالى عن حال المشركين يوم القيامة، وحالهم حين عاينوا البعث، وقاموا بين يدي الله حقيرين ذليلين، ناكسي رؤوسهم، أي: من الحياء والخجل، يقولون: {ربنا أبصرنا وسمعنا} (1) أي: نحن الآن نسمع قولك ونطيع أمرك، كما قال تعالى: {أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا} [مريم: 38] . وكذلك يعودون على أنفسهم بالملامة إذا (2) دخلوا النار بقولهم: {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} [الملك:10] . وهكذا هؤلاء يقولون: {ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا} أي: إلى الدار الدنيا، {نعمل صالحا إنا موقنون} أي: قد أيقنا وتحققنا أن وعدك حق ولقاءك حق، وقد علم الرب تعالى منهم أنه لو أعادهم إلى الدار الدنيا لكانوا كما كانوا فيها كفارا يكذبون آيات (3) الله ويخالفون رسله، كما قال: {ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين. بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين} [الأنعام: 27-29] . وقال هاهنا {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} ، كما قال تعالى {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} [يونس: 99] . {ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} أي: من الصنفين، فدارهم النار (4) لا محيد لهم عنها ولا محيص لهم منها، نعوذ بالله وكلماته التامة من ذلك. {فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا} أي: يقال لأهل النار على سبيل التقريع والتوبيخ: ذوقوا [هذا] (5) العذاب بسبب تكذيبكم به، واستبعادكم وقوعه، وتناسيكم له؛ إذ عاملتموه معاملة من هو ناس له، {إنا نسيناكم} أي: [إنا] (6) سنعاملكم معاملة الناسي؛ لأنه تعالى لا ينسى شيئا ولا يضل عنه شيء، بل من باب المقابلة، كما قال تعالى: {اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا} [الجاثية: 34] . وقوله: {وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون} أي: بسبب كفركم وتكذيبكم، (7) كما قال في …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

رءوسهم عند ربهم حياء من ربهم، للذي سلف منهم من معاصيه في الدنيا، يقولون: يا {ربنا أبصرنا} [السجدة: 12] ما كنا نكذب به من عقابك أهل معاصيك {وسمعنا} [السجدة: 12] منك تصديق ما كانت رسلك تأمرنا به في الدنيا، {فارجعنا} [السجدة: 12] يقول: فارددنا إلى الدنيا نعمل فيها بطاعتك، وذلك العمل الصالح {إنا موقنون} [السجدة: 12] يقول: إنا قد أيقنا الآن ما كنا به في الدنيا جهالا من وحدانيتك، وأنه لا يصلح أن يعبد سواك، ولا ينبغي أن يكون رب سواك، وأنك تحيي وتميت، وتبعث من في القبور بعد الممات والفناء، وتفعل ما تشاء. وبنحو ما قلنا في قوله: {ناكسو رءوسهم} قال أهل التأويل.

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٦٠٥) ↗

التحرير والتنوير

الله لها، ولم يرد اسم عزرائيل في القرآن. وقيل: إن ملك الموت في هذه الآية مراد به الجنس فتكون كقوله توفته رسلنا [الأنعام: 61] . [12] 12] ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون (12) أردف ذكر إنكارهم البعث بتصوير حال المنكرين أثر البعث وذلك عند حشرهم إلى الحساب، وجيء في تصوير حالهم بطريقة حذف جواب لو حذفا يرادفه أن تذهب نفس السامع كل مذهب من تصوير فظاعة حالهم وهول موقفهم بين يدي ربهم، وبتوجيه الخطاب إلى غير معين لإفادة تناهي حالهم في الظهور حتى لا يختص به مخاطب. والمعنى: لو ترى أيها الرائي لرأيت أمرا عظيما. والمجرمون هم الذين قالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد [السجدة: 10] ، فهو إظهار في مقام الإضمار لقصد التسجيل عليهم بأنهم في قولهم ذلك مجرمون، أي آتون بجرم وهو جرم تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وتعطيل الدليل. والناكس: الذي يجعل أعلى شيء إلى أسفل، يقال: نكس رأسه، إذا طأطأه لأنه كمن جعل أعلى الشيء إلى أسفل. ونكس الرؤوس علامة الذل والندامة، وذلك مما يلاقون من التقريع والإهانة. والعندية عندية السلطة، أي وهم في حكم ربهم لا يستطيعون محيدا عنه، فشبه ذلك بالكون في مكان مختص بربهم في أنهم لا يفلتون منه. وجملة ربنا أبصرنا وسمعنا إلى آخرها مقول قول محذوف دل عليه السياق هو في موضع الحال، أي ناكسو رؤوسهم يقولون أو قائلين: أبصرنا وسمعنا، وهم يقولون ذلك ندامة وإقرارا بأن ما توعدهم القرآن به حق. وحذف مفعول أبصرنا ومفعول سمعنا لدلالة المقام، أي أبصرنا من الدلائل المبصرة ما يصدق ما أخبرنا به- فقد رأوا البعث من القبور ورأوا ما يعامل به المكذبون-، وسمعنا من أقوال الملائكة ما فيه تصديق الوعيد الذي توعدنا

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/٢٢١) ↗