البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة لقمان · الآية ٢٨

﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: ولئن سألت هؤلاء المشركين المكذبين بالحق { من خلق السموت } لعلموا أن أصنامهم ما خلقت شيئا من ذلك، ولبادروا بقولهم الله الذي خلقهما وحده. ف { قل } لهم ملزما لهم، ومحتجا عليهم بما أقروا به، على ما أنكروا: { الحمد لله } الذي بين النور، وأظهر الاستدلال عليكم من أنفسكم، فلو كانوا يعلمون، لجزموا أن المنفرد بالخلق والتدبير، هو الذي يفرد بالعبادة والتوحيد. ولكن { أكثرهم لا يعلمون } فلذلك أشركوا به غيره، ورضوا بتناقض ما ذهبوا إليه، على وجه الحيرة والشك، لا على وجه البصيرة، ثم ذكر في هاتين الآيتين نموذجا من سعة أوصافه، ليدعو عباده إلى معرفته ومحبته وإخلاص الدين له. فذكر عموم ملكه، وأن جميع ما في السماوات والأرض - وهذا شامل لجميع العالم العلوي والسفلي - أنه ملكه، يتصرف فيهم بأحكام الملك القدرية، وأحكامه الأمرية، وأحكامه الجزائية، فكلهم عبيد مماليك، مدبرون مسخرون، ليس لهم من الملك شيء، وأنه واسع الغنى، فلا يحتاج إلى ما يحتاج إليه أحد من الخلق. مآ أريد منهم من رزق ومآ أريد أن يطعمون [الذاريات: 57]. وأن أعمال النبيين والصديقين والشهداء والصالحين لا تنفع الله شيئا وإنما تنفع عامليها، والله غني عنهم وعن أعمالهم، ومن غناه، أن أغناهم وأقناهم في دنياهم وأخراهم. ثم أخبر تعالى عن سعة حمده، وأن حمده من لوازم ذاته، فلا يكون إلا حميدا من جميع الوجوه، فهو حميد في ذاته، وهو حميد في صفاته، فكل صفة من صفاته، يستحق عليها أكمل حمد وأتمه، لكونها صفات عظمة وكمال، وجميع ما فعله وخلقه يحمد عليه، وجميع ما أمر به ونهى عنه يحمد عليه، وجميع ما حكم به في العباد وبين العباد، في الدنيا والآخرة، يحمد عليه. ثم أخبر عن سعة كلامه وعظمة قوله، بشرح يبلغ من القلوب كل مبلغ، وتنبهر له العقول، وتحير فيه الأفئدة، وتسيح في معرفته أولو الألباب والبصائر، فقال: { ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام } يكتب بها { والبحر يمده من …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… عليه وسلم: "كلا". فقالوا: ألست تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان لكل شيء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنها في علم الله قليل، وعندكم من ذلك ما يكفيكم". وأنزل الله فيما سألوه عنه من ذلك: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام} الآية. وهكذا روي عن عكرمة، وعطاء بن يسار. وهذا يقتضي أن هذه الآية مدنية لا مكية، والمشهور أنها مكية، والله (1) أعلم. وقوله: {إن الله عزيز حكيم} أي: عزيز قد عز كل شيء وقهره وغلبه، فلا مانع لما أراد ولا مخالف ولا معقب لحكمه، {حكيم} في خلقه وأمره، وأقواله وأفعاله، وشرعه وجميع شؤونه. وقوله: {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} أي: ما خلق جميع الناس وبعثهم يوم المعاد بالنسبة إلى قدرته إلا كنسبة [خلق] (2) نفس واحدة، الجميع هين عليه و {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} [يس: 82] ، {وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر} [القمر: 50] أي: لا يأمر بالشيء إلا مرة واحدة، فيكون ذلك الشيء لا يحتاج إلى تكرره وتوكده (3) . {فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة} [النازعات: 13، 14] . وقوله: {إن الله سميع بصير} أي: كما هو سميع لأقوالهم بصير بأفعالهم كسمعه وبصره بالنسبة إلى نفس واحدة كذلك قدرته عليهم كقدرته على نفس واحدة؛ ولهذا قال: {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة [إن الله سميع بصير] } (4). يخبر تعالى أنه {يولج الليل في النهار} بمعنى: يأخذ منه في النهار، فيطول ذلك ويقصر هذا،

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٣٤٩) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

[يس: 82] فسواء خلق واحد وبعثه، وخلق الجميع وبعثهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٥٧٤) ↗

التحرير والتنوير

وجملة إن الله عزيز حكيم تذييل، فهو لعزته لا يغلبه الذين يزعمون عدم الحاجة إلى القرآن ينتظرون انفحام الرسول صلى الله عليه وسلم وهو لحكمته لا تنحصر كلماته لأن الحكمة الحق لا نهاية لها. وقرأ الجمهور برفع والبحر على أن الجملة الاسمية في موضع الحال والواو واو الحال وهي حال من ما في الأرض من شجرة، أي: تلك الأشجار كائنة في حال كون البحر مدادا لها، والواو يحصل بها من الربط والاكتفاء عن الضمير لدلالتها على المقارنة. وقرأ أبو عمرو ويعقوب والبحر- بالنصب- عطفا على اسم (إن) . [28] 28] ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير (28) استئناف بياني متعلق بقوله إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا [لقمان: 23] لأنه كلما ذكر أمر البعث هجس في نفوس المشركين استحالة إعادة الأجسام بعد اضمحلالها فيكثر في القرآن تعقيب ذكر البعث بالإشارة إلى إمكانه وتقريبه. وكانوا أيضا يقولون: إن الله خلقنا أطوارا نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم لحما وعظما فكيف يبعثنا خلقا جديدا في ساعة واحدة وكيف يحيي جميع الأمم والأجيال التي تضمنتها الأرض في القرون الكثيرة، وكان أبي بن خلف وأبو الأسد- أو أبو الأسدين- ونبيه، ومنبه، ابنا الحجاج من بني سهم، يقولون ذلك وربما أسر به بعضهم. وضميرا المخاطبين مراد بهما جميع الخلق فهما بمنزلة الجنس، أي ما خلق جميع الناس أول مرة ولا بعثهم، أي خلقهم ثاني مرة إلا كخلق نفس واحدة لأن خلق نفس واحدة هذا الخلق العجيب دال على تمام قدرة الخالق تعالى فإذا كان كامل القدرة استوى في جانب قدرته القليل والكثير والبدء والإعادة. وفي قوله ما خلقكم ولا بعثكم التفات من الغيبة إلى الخطاب لقصد مجابهتهم بالاستدلال المفحم.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/١٨٣) ↗