سورة لقمان · الآية ٢٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: ولئن سألت هؤلاء المشركين المكذبين بالحق { من خلق السموت } لعلموا أن أصنامهم ما خلقت شيئا من ذلك، ولبادروا بقولهم الله الذي خلقهما وحده. ف { قل } لهم ملزما لهم، ومحتجا عليهم بما أقروا به، على ما أنكروا: { الحمد لله } الذي بين النور، وأظهر الاستدلال عليكم من أنفسكم، فلو كانوا يعلمون، لجزموا أن المنفرد بالخلق والتدبير، هو الذي يفرد بالعبادة والتوحيد. ولكن { أكثرهم لا يعلمون } فلذلك أشركوا به غيره، ورضوا بتناقض ما ذهبوا إليه، على وجه الحيرة والشك، لا على وجه البصيرة، ثم ذكر في هاتين الآيتين نموذجا من سعة أوصافه، ليدعو عباده إلى معرفته ومحبته وإخلاص الدين له. فذكر عموم ملكه، وأن جميع ما في السماوات والأرض - وهذا شامل لجميع العالم العلوي والسفلي - أنه ملكه، يتصرف فيهم بأحكام الملك القدرية، وأحكامه الأمرية، وأحكامه الجزائية، فكلهم عبيد مماليك، مدبرون مسخرون، ليس لهم من الملك شيء، وأنه واسع الغنى، فلا يحتاج إلى ما يحتاج إليه أحد من الخلق. مآ أريد منهم من رزق ومآ أريد أن يطعمون [الذاريات: 57]. وأن أعمال النبيين والصديقين والشهداء والصالحين لا تنفع الله شيئا وإنما تنفع عامليها، والله غني عنهم وعن أعمالهم، ومن غناه، أن أغناهم وأقناهم في دنياهم وأخراهم. ثم أخبر تعالى عن سعة حمده، وأن حمده من لوازم ذاته، فلا يكون إلا حميدا من جميع الوجوه، فهو حميد في ذاته، وهو حميد في صفاته، فكل صفة من صفاته، يستحق عليها أكمل حمد وأتمه، لكونها صفات عظمة وكمال، وجميع ما فعله وخلقه يحمد عليه، وجميع ما أمر به ونهى عنه يحمد عليه، وجميع ما حكم به في العباد وبين العباد، في الدنيا والآخرة، يحمد عليه. ثم أخبر عن سعة كلامه وعظمة قوله، بشرح يبلغ من القلوب كل مبلغ، وتنبهر له العقول، وتحير فيه الأفئدة، وتسيح في معرفته أولو الألباب والبصائر، فقال: { ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام } يكتب بها { والبحر يمده من …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال الربيع بن أنس: إن مثل علم العباد كلهم في علم الله كقطرة من ماء البحور كلها، وقد أنزل الله ذلك: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام} الآية. يقول: لو كان البحر مدادا لكلمات الله والأشجار كلها أقلاما، لانكسرت الأقلام، وفني ماء البحر، وبقيت كلمات الله قائمة لا يفنيها شيء؛ لأن أحدا لا يستطيع أن يقدر قدره، ولا يثني عليه كما ينبغي، حتى يكون هو الذي يثني على نفسه. إن ربنا كما يقول، وفوق ما نقول. وقد روي أن هذه الآية نزلت جوابا لليهود، قال ابن إسحاق: حدثني ابن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس؛ أن أحبار يهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة: يا محمد، أرأيت قولك: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} ؟ [الإسراء: 85] ، إيانا تريد أم قومك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلا". فقالوا: ألست تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان لكل شيء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنها في علم الله قليل، وعندكم من ذلك ما يكفيكم". وأنزل الله فيما سألوه عنه من ذلك: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام} الآية. وهكذا روي عن عكرمة، وعطاء بن يسار. وهذا يقتضي أن هذه الآية مدنية لا مكية، والمشهور أنها مكية، والله (1) أعلم. وقوله: {إن الله عزيز حكيم} أي: عزيز قد عز كل شيء وقهره وغلبه، فلا مانع لما أراد ولا مخالف ولا معقب لحكمه، {حكيم} في خلقه وأمره، وأقواله وأفعاله، وشرعه وجميع شؤونه. وقوله: {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} أي: ما خلق جميع الناس وبعثهم يوم المعاد بالنسبة إلى قدرته إلا كنسبة [خلق] (2) نفس واحدة، الجميع هين عليه و {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} [يس: 82] ، {وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر} [القمر: 50] أي: لا يأمر بالشيء إلا مرة واحدة، فيكون ذلك الشيء لا يحتاج إلى تكرره وتوكده (3) . {فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة} [النازعات: 13، 14] …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أبحر ما نفدت كلمات الله} [لقمان: 27] وفي هذا الكلام محذوف استغنى بدلالة الظاهر عليه منه، وهو يكتب كلام الله بتلك الأقلام، وبذلك المداد، لتكسرت تلك الأقلام، ولنفد ذلك المداد، ولم تنفد كلمات الله. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٥٧١) ↗التحرير والتنوير
وأما القول باستثناء آيتين وثلاث فمستند إلى ما رواه ابن جرير عن قتادة وعن سعيد ابن جبير عن ابن عباس: أن قوله تعالى ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام [لقمان: 27] إلى آخر الآيتين أو الثلاث نزلت بسبب مجادلة كانت من اليهود أن أحبارهم قالوا: يا محمد أرأيت قوله وما أوتيتم من العلم إلا قليلا [الإسراء: 85] إيانا تريد أم قومك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلا أردت. قالوا: ألست تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان كل شيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها في علم الله قليل، فأنزل الله عليه: ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام الآيات. وذلك مروي بأسانيد ضعيفة وعلى تسليمها فقد أجيب بأن اليهود جادلوا في ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بأن لقنوا ذلك وفدا من قريش وفد إليهم إلى المدينة، وهذا أقرب للتوفيق بين الأقوال. وهذه الروايات وإن كانت غير ثابتة بسند صحيح إلا أن مثل هذا يكتفى فيه بالمقبول في الجملة. قال أبو حيان: سبب نزول هذه السورة أن قريشا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة لقمان مع ابنه، أي سألوه سؤال تعنت واختبار. وهذا الذي ذكره أبو حيان يؤيده تصدير السورة بقوله تعالى ومن الناس من يشتري لهو الحديث [لقمان: 6] . وهذه السورة هي السابعة والخمسون في تعداد نزول السور، نزلت بعد سورة الصافات وقبل سورة سبأ. وعدت آياتها ثلاثا وثلاثين في عد أهل المدينة ومكة، وأربعا وثلاثين في عد أهل الشام والبصرة والكوفة. الأغراض التي اشتملت عليها هذه السورة تتصل بسبب نزولها الذي تقدم ذكره أن المشركين سألوا عن قصة لقمان وابنه، وإذا جمعنا بين هذا وبين ما سيأتي عند قوله تعالى ومن الناس من يشتري لهو الحديث [لقمان: 6] من أن المراد به النضر بن الحارث إذ كان يسافر إلى بلاد الفرس فيقتني كتب قصة إسفنديار ورستم وبهرام، وكان يقرؤها على قريش ويقول: يخبركم محمد عن عاد وثمود وأحدثكم أنا عن رستم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗