سورة لقمان · الآية ٢٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
وهذا فيه أيضا، انفراده بالتصرف والتدبير، وسعة تصرفه بإيلاج الليل في النهار، وإيلاج النهار في الليل، أي: إدخال أحدهما على الآخر، فإذا دخل أحدهما، ذهب الآخر. وتسخيره للشمس والقمر، يجريان بتدبير ونظام، لم يختل منذ خلقهما، ليقيم بذلك من مصالح العباد ومنافعهم، في دينهم ودنياهم، ما به يعتبرون وينتفعون. و { كل } منهما { يجري إلى أجل مسمى } إذا جاء ذلك الأجل، انقطع جريانهما، وتعطل سلطانهما، وذلك في يوم القيامة، حين تكور الشمس، ويخسف القمر، وتنتهي دار الدنيا، وتبتدئ الدار الآخرة. { وأن الله بما تعملون } من خير وشر { خبير } لا يخفى عليه شيء من ذلك، وسيجازيكم على تلك الأعمال، بالثواب للمطيعين، والعقاب للعاصين. و { ذلك } الذي بين لكم من عظمته وصفاته، ما بين { بأن الله هو الحق } في ذاته وفي صفاته، ودينه حق، ورسله حق، ووعده حق، ووعيده حق، وعبادته هي الحق. { وأن ما يدعون من دونه الباطل } في ذاته وصفاته، فلولا إيجاد الله له لما وجد، ولولا إمداده لما بقي، فإذا كان باطلا كانت عبادته أبطل وأبطل. { وأن الله هو العلي } بذاته، فوق جميع مخلوقاته، الذي علت صفاته، أن يقاس بها صفات أحد من الخلق، وعلا على الخلق فقهرهم، { الكبير } الذي له الكبرياء في ذاته وصفاته، وله الكبرياء في قلوب أهل السماء والأرض.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: لقمان ٢٩–٣٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وهذا يكون زمن الصيف يطول النهار إلى الغاية، ثم يسرع في النقص فيطول الليل ويقصر النهار، وهذا يكون في زمن الشتاء، {وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى} قيل: إلى غاية محدودة. وقيل: إلى يوم القيامة. وكلا المعنيين صحيح، ويستشهد للقول الأول بحديث أبي ذر، رضي الله عنه، الذي في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا أبا ذر، أتدري أين تذهب هذه الشمس؟ ". قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنها تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأذن ربها فيوشك أن يقال لها: ارجعي من حيث جئت" (1) . وقال ابن أبي الحاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثنا يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح (2) ، عن ابن عباس أنه قال: الشمس بمنزلة الساقية، تجري بالنهار في السماء في فلكها، فإذا غربت جرت بالليل في فلكها تحت الأرض حتى تطلع من مشرقها، قال: وكذلك القمر. إسناده صحيح. وقوله: {وأن الله بما تعملون خبير} ، كقوله: {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض} [الحج: 70] . (3) ومعنى هذا: أنه تعالى الخالق العالم بجميع الأشياء، كقوله: {الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما} [الطلاق: 12] . وقوله: {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل} أي: إنما يظهر لكم آياته لتستدلوا بها على أنه الحق، أي: الموجود الحق، الإله الحق، وأن كل ما سواه باطل فإنه الغني عما سواه، وكل شيء فقير إليه؛ لأن كل ما (4) في السموات والأرض الجميع خلقه وعبيده، لا يقدر أحد منهم على تحريك ذرة إلا بإذنه، ولو اجتمع كل أهل الأرض على أن يخلقوا ذبابا لعجزوا عن ذلك؛ ولهذا قال: {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير} أي: العلي: الذي لا أعلى منه، الكبير: الذي هو أكبر من كل شيء، فكل (5) شيء خاضع حقير بالنسبة إليه.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٣٥٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " {ألم تر أن الله يولج} [لقمان: 29] الليل في النهار نقصان الليل في زيادة النهار {ويولج النهار في الليل} [لقمان: 29] نقصان النهار في زيادة الليل "
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٥٧٦) ↗التحرير والتنوير
وفي قوله كنفس واحدة حذف مضاف دل عليه ما خلقكم ولا بعثكم. والتقدير: إلا كخلق وبعث نفس واحدة. وذلك إيجاز كقول النابغة: وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ... على وعل في ذي المطارة عاقل التقدير: على مخافة وعل. والمقصود: إن الخلق الثاني كالخلق الأول في جانب القدرة. وجملة إن الله سميع بصير: إما واقعة موقع التعليل لكمال القدرة على ذلك الخلق العجيب استدلالا بإحاطة علمه تعالى بالأشياء والأسباب وتفاصيلها وجزئياتها ومن شأن العالم أن يتصرف في المعلومات كما يشاء لأن العجز عن إيجاد بعض ما تتوجه إليه الإرادة إنما يتأتى من خفاء السبب الموصل إلى إيجاده، وإذ قد كان المشركون أو عقلاؤهم يسلمون أن الله يعلم كل شيء جعل تسليمهم ذلك وسيلة إلى إقناعهم بقدرته تعالى على كل شيء، وإما واقعة موقع الاستئناف البياني لما ينشأ عن الإخبار بأن بعثهم كنفس من تعجب فريق ممن أسروا إنكار البعث في نفوسهم الذين أومأ إليهم قوله آنفا: إن الله عليم بذات الصدور [لقمان: 23] ، ولأجل هذا لم يقل: إن الله عليم قدير. [29] 29] ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير (29) استدلال على ما تضمنته الآية قبلها من كون الخلق الثاني وهو البعث في متناول قدرة الله تعالى بأنه قادر على تغيير أحوال ما هو أعظم حالا من الإنسان، وذلك بتغيير أحوال الأرض وأفقها بين ليل ونهار في كل يوم وليلة تغييرا يشبه طرو الموت على الحياة في دخول الليل في النهار، وطرو الحياة على الموت في دخول النهار على الليل، وبأنه قادر على أعظم من ذلك بما سخره من سير الشمس والقمر. فهذا الاستدلال على إمكان البعث بقياس التمثيل بإمكان ما هو أعظم منه من شؤون المخلوقات بعد أن استدل عليه بالقياس الكلي الذي اقتضاه قوله إن الله
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/١٨٤) ↗