سورة لقمان · الآية ٢٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ ومن يسلم وجهه إلى الله } أي: يخضع له وينقاد له بفعل الشرائع مخلصا له دينه. { وهو محسن } في ذلك الإسلام بأن كان عمله مشروعا، قد اتبع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم. أو: ومن يسلم وجهه إلى الله، بفعل جميع العبادات، وهو محسن فيها، بأن يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه، فإنه يراه. أو ومن يسلم وجهه إلى الله، بالقيام بحقوقه، وهو محسن إلى عباد الله، قائم بحقوقهم. والمعاني متلازمة، لا فرق بينها إلا من جهة [اختلاف] مورد اللفظتين، وإلا فكلها متفقة على القيام بجميع شرائع الدين، على وجه تقبل به وتكمل، فمن فعل ذلك فقد أسلم و { استمسك بالعروة الوثقى } أي: بالعروة التي من تمسك بها، توثق ونجا، وسلم من الهلاك، وفاز بكل خير. ومن لم يسلم وجهه لله، أو لم يحسن لم يستمسك بالعروة الوثقى، وإذا لم يستمسك بالعروة الوثقى، لم يكن ثم إلا الهلاك والبوار. { وإلى الله عاقبة الأمور } أي: رجوعها وموئلها ومنتهاها، فيحكم في عباده، ويجازيهم بما آلت إليه أعمالهم، ووصلت إليه عواقبهم، فليستعدوا لذلك الأمر. { ومن كفر فلا يحزنك كفره } لأنك أديت ما عليك، من الدعوة والبلاغ، فإذا لم يهتد، فقد وجب أجرك على الله، ولم يبق للحزن موضع على عدم اهتدائه، لأنه لو كان فيه خير لهداه الله. ولا تحزن أيضا، على كونهم تجرؤوا عليك بالعداوة ونابذوك المحاربة، واستمروا على غيهم وكفرهم، ولا تتحرق عليهم بسبب أنهم ما بودروا بالعذاب. فإن { إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا } من كفرهم وعداوتهم، وسعيهم في إطفاء نور الله وأذى رسله. { إن الله عليم بذات الصدور } التي ما نطق بها الناطقون، فكيف بما ظهر، وكان شهادة؟!! { نمتعهم قليلا } في الدنيا، ليزداد إثمهم، ويتوفر عذابهم، { ثم نضطرهم } أي: [نلجئهم] { إلى عذاب غليظ } أي: انتهى في عظمه وكبره، وفظاعته وألمه وشدته.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: لقمان ٢٢–٢٤) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر} قال ابن عباس: كان إبراهيم يحجرها على المؤمنين دون الناس، فأنزل الله ومن كفر أيضا أرزقهم كما أرزق المؤمنين أأخلق خلقا لا أرزقهم؟! أمتعهم قليلا ثم أضطرهم إلى عذاب النار وبئس المصير. ثم قرأ ابن عباس: {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا} [الإسراء: 20] . رواه ابن مردويه. وروي عن عكرمة ومجاهد نحو ذلك أيضا. وهذا كقوله تعالى: {إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون* متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون} [يونس: 69، 70] ، وقوله تعالى: {ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور* نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ} [لقمان: 23، 24] ، وقوله: {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون* ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون* وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين} [الزخرف: 33، 35] وقوله {ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير} أي: ثم ألجئه بعد متاعه في الدنيا وبسطنا عليه من ظلها إلى عذاب النار وبئس المصير. ومعناه: أن الله تعالى ينظرهم ويمهلهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، كقوله تعالى: {وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير} [الحج: 48] ، وفي الصحيحين: "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله؛ إنهم يجعلون له ولدا، وهو يرزقهم ويعافيهم" (1) وفي الصحيح أيضا: "إن الله ليملي (2) للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته". ثم قرأ قوله تعالى: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد} [هود: 102] (3) . وأما قوله تعالى: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم*ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
نجازيهم عليها جزاءهم. {إن الله عليم بذات الصدور} [آل عمران: 119] يقول: إن الله ذو علم بما تكنه صدورهم من الكفر بالله، وإيثار طاعة الشيطان. وقوله: {نمتعهم قليلا} [لقمان: 24] يقول: نمهلهم في هذه الدنيا مهلا قليلا يتمتعون فيها {ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ} [لقمان: 24] يقول: ثم نوردهم على كره منهم عذابا غليظا، وذلك عذاب النار، نعوذ بالله منها، ومن عمل يقرب منها.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٥٧٠) ↗التحرير والتنوير
لله، أي خالصا له كما في قوله تعالى فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله في سورة آل عمران [20] . والإحسان: العمل الصالح والإخلاص في العبادة. وفي الحديث: «الإحسان أن تعبد الله كأنه تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» . والمعنى: ومن يسلم إسلاما لا نفاق فيه ولا شك فقد أخذ بما يعتصم به من الهوي أو التزلزل. وقوله فقد استمسك بالعروة الوثقى مضى الكلام على نظيره عند قوله تعالى فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى في سورة البقرة [25] ، وهو ثناء على المسلمين. وتذييل هذا بقوله وإلى الله عاقبة الأمور إيماء إلى وعدهم بلقاء الكرامة عند الله في آخر أمرهم وهو الحياة الآخرة. والتعريف في الأمور للاستغراق، وهو تعميم يراد به أن أمور المسلمين التي هي من مشمولات عموم الأمور صائرة إلى الله وموكولة إليه فجزاؤهم بالخير مناسب لعظمة الله. والعاقبة: الحالة الخاتمة والنهاية. والأمور: جمع أمر وهو الشأن. وتقديم إلى الله للاهتمام والتنبيه إلى أن الراجع إليه يلاقي جزاءه وافيا. [23] 23] ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور (23) لما خلا ذم الذين كفروا عن الوعيد وانتقل منه إلى مدح المسلمين ووعدهم عطف عنان الكلام إلى تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم بتهوين كفرهم عليه تسلية له وتعريضا بقلة العبء بهم لأن مرجعهم إلى الله فيريهم الجزاء المناسب لكفرهم، فهو تعريض لهم بالوعيد. وأسند النهي إلى كفرهم عن أن يكون محزنا للرسول صلى الله عليه وسلم مجازا عقليا في نهي
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/١٧٧) ↗