سورة لقمان · الآية ٢٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ ومن يسلم وجهه إلى الله } أي: يخضع له وينقاد له بفعل الشرائع مخلصا له دينه. { وهو محسن } في ذلك الإسلام بأن كان عمله مشروعا، قد اتبع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم. أو: ومن يسلم وجهه إلى الله، بفعل جميع العبادات، وهو محسن فيها، بأن يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه، فإنه يراه. أو ومن يسلم وجهه إلى الله، بالقيام بحقوقه، وهو محسن إلى عباد الله، قائم بحقوقهم. والمعاني متلازمة، لا فرق بينها إلا من جهة [اختلاف] مورد اللفظتين، وإلا فكلها متفقة على القيام بجميع شرائع الدين، على وجه تقبل به وتكمل، فمن فعل ذلك فقد أسلم و { استمسك بالعروة الوثقى } أي: بالعروة التي من تمسك بها، توثق ونجا، وسلم من الهلاك، وفاز بكل خير. ومن لم يسلم وجهه لله، أو لم يحسن لم يستمسك بالعروة الوثقى، وإذا لم يستمسك بالعروة الوثقى، لم يكن ثم إلا الهلاك والبوار. { وإلى الله عاقبة الأمور } أي: رجوعها وموئلها ومنتهاها، فيحكم في عباده، ويجازيهم بما آلت إليه أعمالهم، ووصلت إليه عواقبهم، فليستعدوا لذلك الأمر. { ومن كفر فلا يحزنك كفره } لأنك أديت ما عليك، من الدعوة والبلاغ، فإذا لم يهتد، فقد وجب أجرك على الله، ولم يبق للحزن موضع على عدم اهتدائه، لأنه لو كان فيه خير لهداه الله. ولا تحزن أيضا، على كونهم تجرؤوا عليك بالعداوة ونابذوك المحاربة، واستمروا على غيهم وكفرهم، ولا تتحرق عليهم بسبب أنهم ما بودروا بالعذاب. فإن { إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا } من كفرهم وعداوتهم، وسعيهم في إطفاء نور الله وأذى رسله. { إن الله عليم بذات الصدور } التي ما نطق بها الناطقون، فكيف بما ظهر، وكان شهادة؟!! { نمتعهم قليلا } في الدنيا، ليزداد إثمهم، ويتوفر عذابهم، { ثم نضطرهم } أي: [نلجئهم] { إلى عذاب غليظ } أي: انتهى في عظمه وكبره، وفظاعته وألمه وشدته.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: لقمان ٢٢–٢٤) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… المؤمنين دون الناس، فأنزل الله ومن كفر أيضا أرزقهم كما أرزق المؤمنين أأخلق خلقا لا أرزقهم؟! أمتعهم قليلا ثم أضطرهم إلى عذاب النار وبئس المصير. ثم قرأ ابن عباس: {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا} [الإسراء: 20] . رواه ابن مردويه. وروي عن عكرمة ومجاهد نحو ذلك أيضا. وهذا كقوله تعالى: {إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون* متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون} [يونس: 69، 70] ، وقوله تعالى: {ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور* نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ} [لقمان: 23، 24] ، وقوله: {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون* ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون* وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين} [الزخرف: 33، 35] وقوله {ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير} أي: ثم ألجئه بعد متاعه في الدنيا وبسطنا عليه من ظلها إلى عذاب النار وبئس المصير. ومعناه: أن الله تعالى ينظرهم ويمهلهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، كقوله تعالى: {وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير} [الحج: 48] ، وفي الصحيحين: "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله؛ إنهم يجعلون له ولدا، وهو يرزقهم ويعافيهم" (1) وفي الصحيح أيضا: "إن الله ليملي (2) للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته". ثم قرأ قوله تعالى: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد} [هود: 102] (3) . وأما قوله تعالى: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم*ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ١/٤٢٦) ↗التحرير والتنوير
الرسول عليه الصلاة والسلام عن مداومة الفكر بالحزن لأجل كفرهم لأنه إذا قلع ذلك من نفسه انتفى إحزان كفرهم إياه. وقرأ نافع يحزنك- بضم التحتية وكسر الزاي- مضارع أحزنه إذا جعله حزينا. وقرأ البقية يحزنك- بفتح التحتية وضم الزاي- مضارع حزنه بذلك المعنى، وهما لغتان: الأولى لغة تميم، والثانية لغة قريش، والأولى أقيس وكلتاهما فصحى ولغة تميم من اللغات التي نزل بها القرآن وهي لغة عليا تميم وهم بنو دارم كما تقدم في المقدمة السادسة. وزعم أبو زيد والزمخشري: أن المستفيض أحزن في الماضي ويحزن في المستقبل، يريدان الشائع على ألسنة الناس، والقراءة رواية وسنة. وتقدم في سورة يوسف [13] إني ليحزنني وفي سورة الأنعام [33] قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون. وجملة إلينا مرجعهم واقعة موقع التعليل للنهي، وهي أيضا تمهيد لوعد الرسول صلى الله عليه وسلم بأن الله يتولى الانتقام منهم المدلول عليه بقوله فننبئهم مفرعا على جملة إلينا مرجعهم كناية عن المجازاة استعمل الإنباء وأريد لازمه وهو الإظهار كما تقدم آنفا. وجملة إن الله عليم بذات الصدور تعليل لجملة فننبئهم بما عملوا، فموقع حرف إن هنا مغن عن فاء التسبب كما في قول بشار: إن ذاك النجاح في التبكير وبذات الصدور: هي النوايا وأعراض النفس من نحو الحقد وتدبير المكر والكفر. ومناسبته هنا أن كفر المشركين بعضه إعلان وبعضه إسرار قال تعالى: وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور [الملك: 13] ، وتقدم في قوله تعالى: إنه عليم بذات الصدور في سورة الأنفال [43] . [24] 24] نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ (24) استئناف بياني لأن قوله إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا [لقمان: 23] يثير في نفوس السامعين سؤالا عن عدم تعجيل الجزاء إليهم، فبين بأن الله يمهلهم زمنا ثم يوقعهم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/١٧٨) ↗