البيانابحثاسألالموضوعات

سورة الروم · الآية ٦٠

﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: { ولقد ضربنا } لأجل عنايتنا ورحمتنا ولطفنا وحسن تعليمنا { للناس في هذا القرآن من كل مثل } تتضح به الحقائق، وتعرف به الأمور، وتنقطع به الحجة. وهذا عام في الأمثال، التي يضربها الله في تقريب الأمور المعقولة بالمحسوسة. وفي الإخبار بما سيكون، وجلاء حقيقته، [حتى] كأنه وقع. ومنه في هذا الموضع، ذكر الله تعالى، ما يكون يوم القيامة وحالة المجرمين فيه، وشدة أسفهم، وأنه لا يقبل منهم عذر ولا عتاب. ولكن أبى الظالمون الكافرون، إلا معاندة الحق الواضح، ولهذا قال: { ولئن جئتهم بآية } أي: أي آية، تدل على صحة ما جئت به { ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون } أي: قالوا للحق: إنه باطل. وهذا من كفرهم وجراءتهم، وطبع الله على قلوبهم، وجهلهم المفرط، ولهذا قال: { كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون } فلا يدخلها خير، ولا تدرك الأشياء على حقيقتها، بل ترى الحق باطلا، والباطل حقا. { فاصبر } على ما أمرت به، وعلى دعوتهم إلى الله، ولو رأيت منهم إعراضا فلا يصدنك ذلك. { إن وعد الله حق } أي: لا شك فيه، وهذا مما يعين على الصبر، فإن العبد إذا علم أن عمله غير ضائع، بل سيجده كاملا، هان عليه ما يلقاه من المكاره، ويسر عليه كل عسير، واستقل من عمله كل كثير. { ولا يستخفنك الذين لا يوقنون } أي: قد ضعف إيمانهم، وقل يقينهم، فخفت لذلك أحلامهم، وقل صبرهم، فإياك أن يستخفك هؤلاء، فإنك إن لم تجعلهم منك على بال وتحذر منهم، وإلا استخفوك وحملوك على عدم الثبات على الأوامر والنواهي، والنفس تساعدهم على هذا، وتطلب التشبه والموافقة، وهذا مما يدل على أن كل مؤمن موقن رزين العقل، يسهل عليه الصبر، وكل ضعيف اليقين ضعيف [العقل] خفيفه. فالأول بمنزلة اللب، والآخر بمنزلة القشور، فالله المستعان.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الروم ٥٨–٦٠) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

الغداة -فقال: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} [الزمر: 65] ، فأنصت له علي حتى فهم ما قال، فأجابه وهو في الصلاة: {فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون} . رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم. وقد رواه ابن جرير من وجه آخر فقال: حدثنا ابن وكيع، حدثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن عثمان بن أبي زرعة، عن علي بن ربيعة قال: نادى رجل من الخوارج عليا وهو في صلاة الفجر، فقال: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} ، فأجابه علي وهو في الصلاة: {فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون} (1) . طريق أخرى: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شريك، عن عمران بن ظبيان، عن أبي تحيا قال: صلى علي (2) رضي الله عنه، صلاة الفجر، فناداه رجل من الخوارج: {لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} ، فأجابه علي (3) ، وهو في الصلاة: {فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون} . [ما روي في فضل هذه السورة الشريفة، واستحباب قراءتها في الفجر] (4) : قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عبد الملك بن عمير، سمعت شبيب -أبا روح -يحدث عن رجل (5) من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم الصبح، فقرأ فيها الروم فأوهم، فقال: "إنه يلبس علينا القرآن، فإن أقواما منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء، فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء" (6) . وهذا إسناد حسن ومتن حسن (7) وفيه سر عجيب، ونبأ غريب، وهو أنه، عليه السلام (8) تأثر بنقصان وضوء من ائتم به، فدل ذلك أن صلاة المأموم متعلقة (9) بصلاة الإمام. [آخر تفسير سورة "الروم"] (10) . _

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٣٢٩) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

يستخفنك الذين لا يوقنون} [الروم: 60] يقول: ولا يستخفن حلمك ورأيك هؤلاء المشركون بالله، الذين لا يوقنون بالمعاد، ولا يصدقون بالبعث بعد الممات، فيثبطوك عن أمر الله، والنفوذ لما كلفك من تبليغهم رسالته. حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سعيد بن جبير، عن علي بن ربيعة، أن رجلا من الخوارج قرأ خلف علي رضي الله عنه: " {لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} [الزمر: 65]، فقال علي: {فاصبر إن وعد الله، حق ولا يستخفنك الذين لا يؤمنون} "

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٥٢٩) ↗

التحرير والتنوير

فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون (60) الأمر للنبيء صلى الله عليه وسلم بالصبر تفرع على جملة ولئن جئتهم بآية [الروم: 58] لتضمنها تأييسه من إيمانهم. وحذف متعلق الأمر بالصبر لدلالة المقام عليه، أي اصبر على تعنتهم. وجملة إن وعد الله حق تعليل للأمر بالصبر وهو تأنيس للنبيء صلى الله عليه وسلم بتحقيق وعد الله من الانتقام من المكذبين ومن نصر الرسول عليه الصلاة والسلام. والحق: مصدر حق يحق بمعنى ثبت، فالحق: الثابت الذي لا ريب فيه ولا مبالغة. والاستخفاف: مبالغة في جعله خفيفا فالسين والتاء للتقوية مثلها في نحو: استجاب واستمسك، وهو ضد الصبر. والمعنى: لا يحملنك على ترك الصبر. والخفة مستعارة لحالة الجزع وظهور آثار الغضب. وهي مثل القلق المستعار من اضطراب الشيء لأن آثار الجزع والغضب تشبه تقلقل الشيء الخفيف، فالشيء الخفيف يتقلقل بأدنى تحريك، وفي ضده يستعار الرسوخ والتثاقل. وشاعت هذه الاستعارات حتى ساوت الحقيقة في الاستعمال. ونهي الرسول عن أن يستخفه الذين لا يوقنون نهي عن الخفة التي من شأنها أن تحدث للعاقل إذا رأى عناد من هو يرشده إلى الصلاح، وذلك مما يستفز غضب الحليم، فالاستخفاف هنا هو أن يؤثروا في نفسه ضد الصبر، ويأتي قوله تعالى فاستخف قومه فأطاعوه في سورة الزخرف [54] ، فانظره إكمالا لما هنا. وأسند الاستخفاف إليهم على طريقة المجاز العقلي لأنهم سببه بما يصدر من عنادهم. والذين لا يوقنون: هم المشركون الذين أجريت عليهم الصفات المتقدمة من

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/١٣٥) ↗