سورة الروم · الآية ٥٩
﴿كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: { ولقد ضربنا } لأجل عنايتنا ورحمتنا ولطفنا وحسن تعليمنا { للناس في هذا القرآن من كل مثل } تتضح به الحقائق، وتعرف به الأمور، وتنقطع به الحجة. وهذا عام في الأمثال، التي يضربها الله في تقريب الأمور المعقولة بالمحسوسة. وفي الإخبار بما سيكون، وجلاء حقيقته، [حتى] كأنه وقع. ومنه في هذا الموضع، ذكر الله تعالى، ما يكون يوم القيامة وحالة المجرمين فيه، وشدة أسفهم، وأنه لا يقبل منهم عذر ولا عتاب. ولكن أبى الظالمون الكافرون، إلا معاندة الحق الواضح، ولهذا قال: { ولئن جئتهم بآية } أي: أي آية، تدل على صحة ما جئت به { ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون } أي: قالوا للحق: إنه باطل. وهذا من كفرهم وجراءتهم، وطبع الله على قلوبهم، وجهلهم المفرط، ولهذا قال: { كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون } فلا يدخلها خير، ولا تدرك الأشياء على حقيقتها، بل ترى الحق باطلا، والباطل حقا. { فاصبر } على ما أمرت به، وعلى دعوتهم إلى الله، ولو رأيت منهم إعراضا فلا يصدنك ذلك. { إن وعد الله حق } أي: لا شك فيه، وهذا مما يعين على الصبر، فإن العبد إذا علم أن عمله غير ضائع، بل سيجده كاملا، هان عليه ما يلقاه من المكاره، ويسر عليه كل عسير، واستقل من عمله كل كثير. { ولا يستخفنك الذين لا يوقنون } أي: قد ضعف إيمانهم، وقل يقينهم، فخفت لذلك أحلامهم، وقل صبرهم، فإياك أن يستخفك هؤلاء، فإنك إن لم تجعلهم منك على بال وتحذر منهم، وإلا استخفوك وحملوك على عدم الثبات على الأوامر والنواهي، والنفس تساعدهم على هذا، وتطلب التشبه والموافقة، وهذا مما يدل على أن كل مؤمن موقن رزين العقل، يسهل عليه الصبر، وكل ضعيف اليقين ضعيف [العقل] خفيفه. فالأول بمنزلة اللب، والآخر بمنزلة القشور، فالله المستعان.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الروم ٥٨–٦٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
مرة ونذرهم [في طغيانهم يعمهون] (2) } [الأنعام:110، 111] ؛ ولهذا قال هنا: {كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين * وما وجدنا لأكثرهم} أي: لأكثر الأمم الماضية {من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين} أي: ولقد وجدنا أكثرهم فاسقين خارجين عن الطاعة والامتثال. والعهد الذي أخذه [عليهم] (1) هو ما جبلهم عليه وفطرهم عليه، وأخذ عليهم في الأصلاب أنه ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو، فأقروا بذلك، وشهدوا على أنفسهم به، فخالفوه وتركوه وراء ظهورهم، وعبدوا مع الله غيره بلا دليل ولا حجة، لا من عقل ولا شرع، وفي الفطر السليمة خلاف ذلك، وجاءت الرسل الكرام من أولهم إلى آخرهم بالنهي عن ذلك، كما جاء في صحيح مسلم يقول الله تعالى: "إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم". وفي الصحيحين: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه" الحديث. وقال تعالى في كتابه العزيز: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [الأنبياء:25] وقال تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} [الزخرف:45] وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل:36] إلى غير ذلك من الآيات. وقد قيل في تفسير قوله تعالى: {فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل} ما روى (2) أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب في قوله: {فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل} قال: كان في علمه تعالى يوم أقروا له بالميثاق، أي: فما كانوا ليؤمنوا لعلم الله منهم ذلك، وكذا قال الربيع بن أنس، واختاره ابن جرير. وقال السدي: {فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل} قال: ذلك يوم أخذ منهم الميثاق فآمنوا كرها. وقال مجاهد في قوله: {فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل} هذا كقوله: {ولو ردوا لعادوا [لما نهوا عنه وإنهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
لوط وشعيب {نقص عليك من أنبائها} [الأعراف: 101] فنخبرك عنها وعن أخبار أهلها، وما كان من أمرهم، وأمر رسل الله التي أرسلت إليهم، لتعلم أنا ننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا على أعدائنا وأهل الكفر بنا، ويعلم مكذبوك من قومك ما عاقبة أمر من كذب رسل الله، فيرتدعوا عن تكذيبك، وينيبوا إلى توحيد الله وطاعته. {ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات} [الأعراف: 101] يقول: ولقد جاءت أهل القرى التي قصصت عليك نبأها رسلهم بالبينات، يعني بالحجج البينات. {فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل} [الأعراف: 101] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: فما كان هؤلاء المشركون الذين أهلكناهم من أهل القرى ليؤمنوا عند إرسالنا إليهم بما كذبوا من قبل ذلك، وذلك يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٠/٣٣٦) ↗التحرير والتنوير
أذن لهم في الاعتذار لكان ذلك توطئة لقبوله اعتذارهم نظير قوله من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه [البقرة: 255] . والمثبت هنا معذرة من تلقاء أنفسهم لم يؤذن لهم بها فهي غير نافعة لهم كما قال تعالى قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون قال اخسؤا فيها ولا تكلمون [المؤمنون: 106- 108] وقوله لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون [المؤمنون: 65] . وقرأ الجمهور تنفع بالمثناة الفوقية. وقرأه حمزة وعاصم والكسائي وخلف بالتحتية وهو وجه جائز لأن (معذرة) مجازي التأنيث، ولوقوع الفصل بين الفعل وفاعله بالمفعول. ويستعتبون مبني للمجهول والمبني منه للفاعل استعتب، إذا سأل العتبى- بضم العين وبالقصر- وهي اسم للإعتاب، أي إزالة العتب، فهمزة الإعتاب للإزالة، قال تعالى: وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين [فصلت: 24] ، فصار استعتب المبني للمجهول جاريا على استعتب المبني للمعلوم فلما قيل: استعتب بمعنى طلب العتبى صار استعتب المبني للمجهول بمعنى أعتب، فمعنى ولا هم يستعتبون: ولا هم بمزال عنهم المؤاخذة نظير قوله فما هم من المعتبين. وهذا استعمال عجيب جار على تصاريف متعددة في الفصيح من الكلام، وبعض اشتقاقها غير قياسي ومن حاولوا إجراءه على القياس اضطروا إلى تكلفات في المعنى لا يرضى بها الذوق السليم، والعجب وقوعها في «الكشاف» . وقال في «القاموس» : واستعتبه: أعطاه العتبى كأعتبه، وطلب إليه العتبى ضد. والمعنى: لا ينفعهم اعتذار بعذر ولا إقرار بالذنب وطلب العفو. وتقدم قوله ولا هم يستعتبون في سورة النحل [84] . [58- 59] ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون (58) كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون (59) لما انتهى ما أقيمت عليه السورة من دلائل الوحدانية وإثبات البعث عقب
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/١٣٣) ↗