سورة الروم · الآية ٥١
﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن حالة الخلق، وأنهم مع هذه النعم عليهم بإحياء الأرض بعد موتها، ونشر رحمة الله تعالى، لو أرسلنا على هذا النبات الناشئ عن المطر، وعلى زروعهم، ريحا مضرة متلفة أو منقصة، { فرأوه مصفرا } قد تداعى إلى التلف { لظلوا من بعده يكفرون } فينسون النعم الماضية، ويبادرون إلى الكفر. وهؤلاء، لا ينفع فيهم وعظ ولا زجر { فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعآء } وبالأولى { إذا ولوا مدبرين } فإن الموانع قد توفرت فيهم عن الانقياد والسماع النافع، كتوفر هذه الموانع المذكورة عن سماع الصوت الحسي. { ومآ أنت بهاد العمي عن ضلالتهم } لأنهم لا يقبلون الإبصار بسبب عماهم فليس منهم قابلية له. { إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون } فهؤلاء الذين ينفع فيهم إسماع الهدى، المؤمنون بآياتنا بقلوبهم، المنقادون لأوامرنا، المسلمون لنا، لأن معهم الداعي القوي لقبول النصائح والمواعظ، وهو استعدادهم للإيمان بكل آية من آيات الله، واستعدادهم لتنفيذ ما يقدرون عليه من أوامر الله ونواهيه.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الروم ٥١–٥٣) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… من دلالة التأسيس، ويكون معنى الكلام: أنهم كانوا محتاجين إليه قبل نزوله، ومن قبله -أيضا -قد فات عندهم نزوله وقتا بعد وقت، فترقبوه في إبانه فتأخر، فمضت مدة فترقبوه فتأخر، ثم جاءهم بغتة بعد الإياس منه والقنوط، فبعد ما كانت أرضهم مقشعرة هامدة أصبحت وقد اهتزت وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج؛ ولهذا قال: {فانظر إلى آثار رحمة الله} يعني: المطر {كيف يحيي الأرض بعد موتها} . ثم نبه بذلك على إحياء الأجساد بعد موتها وتفرقها وتمزقها، فقال: {إن ذلك لمحيي الموتى} أي: إن الذي فعل ذلك لقادر على إحياء الأموات، {إنه على كل شيء قدير} . ثم قال تعالى: {ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون} ، يقول {ولئن أرسلنا ريحا} يابسة على الزرع الذي زرعوه، ونبت وشب واستوى على سوقه، فرأوه مصفرا، أي: قد اصفر وشرع في الفساد، لظلوا من بعده، أي: بعد هذا الحال يكفرون، أي: يجحدون ما تقدم [إليهم] (2) من النعم، كما قال: {أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون. لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون. إنا لمغرمون بل نحن محرومون} [الواقعة: 63 -67] . قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع، حدثنا هشيم (3) ، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه (4) عن عبد الله بن عمرو، قال: الرياح ثمانية، أربعة منها رحمة، وأربعة عذاب، فأما الرحمة فالناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات. وأما العذاب فالعقيم والصرصر، وهما في البر، والعاصف والقاصف، وهما في البحر [فإذا شاء سبحانه وتعالى حركه بحركة الرحمة فجعله رخاء ورحمة وبشرى بين يدي رحمته، ولاقحا للسحاب تلقحه بحمله الماء، كما يلقح الذكر الأنثى بالحمل، وإن شاء حركه بحركة العذاب فجعله عقيما، وأودعه عذابا أليما، وجعله نقمة على من يشاء من عباده، فيجعله صرصرا وعاتيا ومفسدا لما يمر عليه، والرياح مختلفة في مهابها: صبا ودبور، وجنوب، وشمال، وفي منفعتها وتأثيرها أعظم اختلاف، فريح …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أرضوهم بذلك الغيث من الزرع مصفرا، قد فسد بتلك الريح التي أرسلناها، فصار من بعد خضرته مصفرا، لظلوا من بعد استبشارهم وفرحتهم به يكفرون بربهم.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٥٢٣) ↗التحرير والتنوير
الاعتبار بإحياء الأرض بعد موتها. وحرف التوكيد يفيد مع تقرير الخبر زيادة معنى فاء التسبب كقول بشار: بكرا صاحبي قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التبكير إذ التقدير: فالنجاح في التبكير، كما تقرر غير مرة. واسم الإشارة عائد إلى اسم الله تعالى بما أجري عليه من الإخبار بإحياء الأرض بعد موتها ليفيد اسم الإشارة معنى أنه جدير بما يرد بعده من الخبر عن المشار إليه. فالمعنى: أن الله الذي يحيي الأرض بعد موتها لمحيي الموتى، تقريبا لتصور البعث. وعدل عن الموصول إلى الإشارة للإيجاز، ولما في الإشارة من التعظيم. وذيل ذلك بقوله وهو على كل شيء قدير فإنه يعم جميع الأشياء والبعث من جملتها إذ ليس هو إلا إيجاد خلق وهو مقدور لله تعالى كما أنشأ الخلق أول مرة. والشبه تام، لأن إحياء الأرض إيجاد أمثال ما كان عليها من النبات فكذلك إحياء الموتى إيجاد أمثالهم. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم إلى أثر بالإفراد. وقرأه الباقون إلى آثار بصيغة الجمع. [51] ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون (51) عطف على جملة وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين [الروم: 49] وما بينهما اعتراض واستطراد لغرض قد علمته آنفا. وهذه الجملة سيقت للتنبيه على أن الكفران مطبوع في نفوسهم بحيث يعاودهم بأدنى سبب فهم إذا أصابتهم النعمة استبشروا ولم يشكروا وإذا أصابتهم البأساء أسرعوا إلى الكفران فصور لكفرهم أعجب صورة وهي إظهارهم إياه بحدثان ما كانوا مستبشرين منه إذ يكون الزرع أخضر والأمل في الارتزاق منه قريبا فيصيبه إعصار فيحترق فيضجون من
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/١٢٤) ↗