سورة الروم · الآية ٥٠
﴿فَانْظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن كمال قدرته، وتمام نعمته، أنه { يرسل الرياح فتثير سحابا } من الأرض، { فيبسطه في السمآء } أي: يمده ويوسعه { كيف يشآء } أي: على أي حالة أرادها من ذلك، ثم { يجعله } أي: ذلك السحاب الواسع { كسفا } أي: سحابا ثخينا، قد طبق بعضه فوق بعض. { فترى الودق يخرج من خلاله } أي: السحاب نقطا صغارا متفرقة، لا تنزل جميعا، فتفسد ما أتت عليه. { فإذآ أصاب به } بذلك المطر { من يشآء من عباده إذا هم يستبشرون } يبشر بعضهم بعضا بنزوله، وذلك لشدة حاجتهم وضرورتهم إليه، فلهذا قال: { وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين } أي: آيسين قانطين لتأخر وقت مجيئه، أي: فلما نزل في تلك الحال، صار له موقع عظيم [عندهم]، وفرح واستبشار. { فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد موتهآ } فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج كريم. { إن ذلك } الذي أحيا الأرض بعد موتها { لمحي الموتى وهو على كل شيء قدير } فقدرته تعالى، لا يتعاصى عليها شيء، وإن تعاصى على قدر خلقه، ودق عن أفهامهم، وحارت فيه عقولهم.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الروم ٤٨–٥٠) ↗التحرير والتنوير
يعني أن فائدة إعادة من قبله أن مدة ما قبل نزول المطر مدة طويلة فأشير إلى قوتها بالتوكيد. وضمير قبله عائد إلى المصدر المأخوذ من أن ينزل عليهم أي تنزيله. [50] 50] فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل شيء قدير (50) رتب على ما تقرر من استحضار صورة تكوين أسباب المطر واستبشار الناس بنزوله بعد الإبلاس، أن اعترض بذكر الأمر بالنظر إلى أثر الرحمة وإغاثة الله عباده حين يحيي لهم الأرض بعد موتها بالجفاف. والأمر بالنظر للاعتبار والاستدلال. والنظر: رؤية العين. وعبر عن الجفاف بالموت لأن قوام الحياة الرطوبة، وعبر عن ضده بالإحياء. والخطاب بانظر لغير معين ليعم كل من يتأتى منه النظر مثل قوله فترى الودق [الروم: 48] . ورحمة الله: هي صفته التي تتعلق بإمداد مخلوقاته ذوات الإدراك بما يلائمها ويدفع عنها ما يؤلمها وذلك هو الإنعام. وأثر الشيء: ما ينشأ عنه مما يدل عليه. فرحمة الله دلت عليها الآثار الدالة على وجوده وتصرفه بما فيه رحمة للخلق. وكيف بدل من أثر أو مفعول لانظر أي: انظر هيئة إحياء الله الأرض بعد موتها، تلك الحالة التي هي أثر من آثار رحمته الناس على حد قوله أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت [الغاشية: 17] إذ جعلوا كيف بدلا من الإبل بدل اشتمال وإن أباه ابن هشام في «مغني اللبيب» . وقد مضى عند قوله ألم تر إلى ربك كيف مد الظل في سورة الفرقان [45] ، وتقدم آنفا في قوله فيبسطه في السماء كيف يشاء [الروم: 48] . وأطلق على إنبات الأرض إحياء وعلى قحولتها الموت على سبيل الاستعارة. وجملة إن ذلك لمحي الموتى استئناف وهو إدماج أدمج دليل البعث عقب
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/١٢٣) ↗