البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الروم · الآية ٤٤

﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: أقبل بقلبك، وتوجه بوجهك، واسع ببدنك، لإقامة الدين القيم المستقيم، فنفذ أوامره ونواهيه بجد واجتهاد، وقم بوظائفه الظاهرة والباطنة، وبادر زمانك وحياتك وشبابك، { من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله } وهو يوم القيامة، الذي إذا جاء لا يمكن رده، ولا يرجأ العاملون أن يستأنفوا العمل، بل فرغ من الأعمال، لم يبق إلا جزاء العمال. { يومئذ يصدعون } أي: يتفرقون عن ذلك اليوم، ويصدرون أشتاتا متفاوتين، ليروا أعمالهم. { من كفر } منهم { فعليه كفره } ويعاقب هو بنفسه، لا تزر وازرة وزر أخرى، { ومن عمل صالحا } من الحقوق التي لله، أو التي للعباد، الواجبة والمستحبة، { فلأنفسهم } لا لغيرهم { يمهدون } أي: يهيئون، ولأنفسهم يعمرون آخرتهم، ويستعدون للفوز بمنازلها وغرفاتها، ومع ذلك، جزاؤهم ليس مقصورا على أعمالهم، بل يجزيهم الله من فضله الممدود، وكرمه غير المحدود، ما لا تبلغه أعمالهم. وذلك لأنه أحبهم، وإذا أحب الله عبدا صب عليه الإحسان صبا، وأجزل له العطايا الفاخرة، وأنعم عليه بالنعم الظاهرة والباطنة. وهذا بخلاف الكافرين، فإن الله لما أبغضهم ومقتهم، عاقبهم وعذبهم، ولم يزدهم كما زاد من قبلهم، فلهذا قال: { إنه لا يحب الكافرين }.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الروم ٤٣–٤٥) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يقول تعالى آمرا عباده بالمبادرة إلى الاستقامة في طاعته، والمبادرة إلى الخيرات: {فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله} أي: يوم القيامة، إذا أراد كونه فلا راد له، {يومئذ يصدعون} أي: يتفرقون، ففريق في الجنة وفريق في السعير؛ ولهذا قال: {من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله} أي: يجازيهم مجازاة الفضل: الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى ما يشاء الله، {إنه لا يحب الكافرين} ، ومع هذا هو العادل فيهم، الذي لا يجور. يذكر تعالى نعمه على خلقه، في إرساله الرياح مبشرات بين يدي رحمته، بمجيء الغيث (1) عقيبها؛ ولهذا قال: {وليذيقكم من رحمته} أي: المطر الذي ينزله فيحيي به العباد والبلاد، {ولتجري الفلك بأمره} أي: في البحر، وإنما سيرها بالريح، {ولتبتغوا من فضله} أي: في التجارات والمعايش، والسير من إقليم إلى إقليم، وقطر إلى قطر، {ولعلكم تشكرون} أي: تشكرون الله على ما أنعم به عليكم من النعم الظاهرة والباطنة، التي لا تعد ولا تحصى. ثم قال: {ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا} هذه تسلية من الله لعبده ورسوله محمد، صلوات الله وسلامه عليه (2) ، بأنه وإن كذبه كثير من قومه ومن الناس، فقد كذبت الرسل المتقدمون مع ما جاءوا أممهم به من الدلائل الواضحات، ولكن الله انتقم ممن كذبهم وخالفهم، وأنجى المؤمنين بهم، {وكان حقا علينا نصر المؤمنين} ، هو حق أوجبه على نفسه الكريمة، تكرما وتفضلا كقوله تعالى: {كتب ربكم على نفسه الرحمة} [الأنعام: 54] . قال (3) ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا موسى بن أعين، عن ليث، عن شهر بن حوشب (4) ، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٣٢١) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

يمهدون} [الروم: 44] يقول: فلأنفسهم يستعدون، ويسوون المضجع ليسلموا من عقاب ربهم، وينجوا من عذابه، كما قال الشاعر: [البحر البسيط] امهد لنفسك حان السقم والتلف %~% ولا تضيعن نفسا ما لها خلف وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٥١٦) ↗

التحرير والتنوير

من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون (44) ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين (45) هذه الجملة تتنزل منزلة البيان لإجمال الجملة التي قبلها وهي فأقم وجهك للدين القيم [الروم: 43] ، إذ التثبيت على الدين بعد ذكر ما أصاب المشركين من الفساد بسبب شركهم يتضمن تحقير شأنهم عند الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فبين ذلك بأنهم لا يضرون بكفرهم إلا أنفسهم، والذي يكشف هذا المعنى تقديم المسند في قوله فعليه كفره فإنه يفيد تخصيصه بالمسند إليه، أي فكفره عليه لا عليك ولا على المؤمنين، ولهذا ابتدئ بذكر حال من كفر ثم ذكر بعده من عمل صالحا. واقتضى حرف الاستعلاء أن في الكفر تبعة وشدة وضرا على الكافر، لأن (على) تقتضي ذلك في مثل هذا المقام، كما اقتضى اللام في قوله فلأنفسهم يمهدون أن لمجرورها نفعا وغنما، ومنه قوله تعالى: لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت [البقرة: 286] . وقال توبة بن الحمير: وقد زعمت ليلى بأني فاجر ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها وأفرد ضمير كفره رعيا للفظ من. وهذا التركيب من جوامع الكلم لدلالته على ما لا يحصى من المضار في الكفر على الكافر وأنه لا يضر غيره، مع تمام الإيجاز، وهو وعيد لأنه في معنى: من كفر فجزاؤه عقاب الله، فاكتفي عن التصريح بذلك اكتفاء بدلالة (على) من قوله فعليه كفره وبمقابلة حالهم بحال من عمل صالحا بقوله ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله. وأما قوله ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون فهو بيان أيضا لما في جملة فأقم وجهك للدين القيم [الروم: 43] من الأمر بملازمة التحلي بالإسلام وما في ذلك من الخير العاجل والآجل مع ما تقتضيه عادة القرآن من تعقيب النذارة بالبشارة والترهيب بالترغيب فهو كالتكملة للبيان. وإنما قوبل من كفر ب من عمل صالحا ولم يقابل ب (من ءامن) للتنويه بشأن المؤمنين بأنهم أهل الأعمال الصالحة دون الكافرين. فاستغني بذكر العمل

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/١١٦) ↗