سورة الروم · الآية ٤٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: أقبل بقلبك، وتوجه بوجهك، واسع ببدنك، لإقامة الدين القيم المستقيم، فنفذ أوامره ونواهيه بجد واجتهاد، وقم بوظائفه الظاهرة والباطنة، وبادر زمانك وحياتك وشبابك، { من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله } وهو يوم القيامة، الذي إذا جاء لا يمكن رده، ولا يرجأ العاملون أن يستأنفوا العمل، بل فرغ من الأعمال، لم يبق إلا جزاء العمال. { يومئذ يصدعون } أي: يتفرقون عن ذلك اليوم، ويصدرون أشتاتا متفاوتين، ليروا أعمالهم. { من كفر } منهم { فعليه كفره } ويعاقب هو بنفسه، لا تزر وازرة وزر أخرى، { ومن عمل صالحا } من الحقوق التي لله، أو التي للعباد، الواجبة والمستحبة، { فلأنفسهم } لا لغيرهم { يمهدون } أي: يهيئون، ولأنفسهم يعمرون آخرتهم، ويستعدون للفوز بمنازلها وغرفاتها، ومع ذلك، جزاؤهم ليس مقصورا على أعمالهم، بل يجزيهم الله من فضله الممدود، وكرمه غير المحدود، ما لا تبلغه أعمالهم. وذلك لأنه أحبهم، وإذا أحب الله عبدا صب عليه الإحسان صبا، وأجزل له العطايا الفاخرة، وأنعم عليه بالنعم الظاهرة والباطنة. وهذا بخلاف الكافرين، فإن الله لما أبغضهم ومقتهم، عاقبهم وعذبهم، ولم يزدهم كما زاد من قبلهم، فلهذا قال: { إنه لا يحب الكافرين }.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الروم ٤٣–٤٥) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى آمرا عباده بالمبادرة إلى الاستقامة في طاعته، والمبادرة إلى الخيرات: {فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله} أي: يوم القيامة، إذا أراد كونه فلا راد له، {يومئذ يصدعون} أي: يتفرقون، ففريق في الجنة وفريق في السعير؛ ولهذا قال: {من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله} أي: يجازيهم مجازاة الفضل: الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى ما يشاء الله، {إنه لا يحب الكافرين} ، ومع هذا هو العادل فيهم، الذي لا يجور. يذكر تعالى نعمه على خلقه، في إرساله الرياح مبشرات بين يدي رحمته، بمجيء الغيث (1) عقيبها؛ ولهذا قال: {وليذيقكم من رحمته} أي: المطر الذي ينزله فيحيي به العباد والبلاد، {ولتجري الفلك بأمره} أي: في البحر، وإنما سيرها بالريح، {ولتبتغوا من فضله} أي: في التجارات والمعايش، والسير من إقليم إلى إقليم، وقطر إلى قطر، {ولعلكم تشكرون} أي: تشكرون الله على ما أنعم به عليكم من النعم الظاهرة والباطنة، التي لا تعد ولا تحصى. ثم قال: {ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا} هذه تسلية من الله لعبده ورسوله محمد، صلوات الله وسلامه عليه (2) ، بأنه وإن كذبه كثير من قومه ومن الناس، فقد كذبت الرسل المتقدمون مع ما جاءوا أممهم به من الدلائل الواضحات، ولكن الله انتقم ممن كذبهم وخالفهم، وأنجى المؤمنين بهم، {وكان حقا علينا نصر المؤمنين} ، هو حق أوجبه على نفسه الكريمة، تكرما وتفضلا كقوله تعالى: {كتب ربكم على نفسه الرحمة} [الأنعام: 54] . قال (3) ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا موسى بن أعين، عن ليث، عن شهر بن حوشب (4) ، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٣٢١) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
لا مرد له من الله} [الروم: 43] يقول تعالى ذكره: من قبل مجيء PageEndV18P515 يوم من أيام الله لا مرد له لمجيئه، لأن الله قد قضى بمجيئه، فهو لا محالة جاء {يومئذ يصدعون} [الروم: 43] يقول: يوم يجيء ذلك اليوم يصدع الناس، يقول: يتفرق الناس فرقتين؛ من قولهم: صدعت الغنم صدعتين: إذا فرقتها فرقتين: فريق في الجنة، وفريق في السعير. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٥١٤) ↗التحرير والتنوير
قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين (42) لما وعظهم بما أصابهم من فساد الأحوال ونبههم إلى أنها بعض الجزاء على ما كسبت أيديهم عرض لهم بالإنذار بفساد أعظم قد يحل بهم مثله وهو ما أصاب الذين من قبلهم بسبب ما كانوا عليه من نظير حال هؤلاء في الإشراك فأمرهم بالسير في الأرض والنظر في مصير الأمم التي أشركت وكذبت مثل عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم لأن كثيرا من المشركين قد اجتازوا في أسفارهم بديار تلك الأمم كما قال تعالى وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون [الصافات: 137- 138] . فهذا تكرير وتأكيد لقوله السابق أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم [الروم: 9] ، وإنما أعيد اهتماما بهذه العبرة مع مناسبة قوله ليذيقهم بعض الذي عملوا [الروم: 41] . والعاقبة: نهاية الأمر. والمراد بالعاقبة الجنس، وهو متعدد الأفراد بتعدد الذين من قبل، ولكل قوم عاقبة. وجملة كان أكثرهم مشركين واقعة موقع التعليل لجملة كيف كان عاقبة الذين من قبل، أي سبب تلك العاقبة المنظورة هو إشراك الأكثرين منهم، أي أن أكثر تلك الأمم التي شوهدت عاقبتها الفظيعة كان من أهل الشرك فتعلمون أن سبب حلول تلك العاقبة بهم هو شركهم، وبعض تلك الأمم لم يكونوا مشركين وإنما أصابهم لتكذيبهم رسلهم مثل أهل مدين قال تعالى: أكفاركم خير من أولئكم [القمر: 43] . [43] فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون (43) تفرع على الإنذار والتحذير من عواقب الشرك تثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم على
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/١١٤) ↗